بين وهج الخنادق وشبكات التجسس.. لماذا تتأخر الحكومة اليمنية في قطع حبال المشنقة الرقمية
في صميم المعركة التي يخوضها أبطال الجيش اليمني في مختلف جبهات العزة والشرف، يبرز تساؤل مرير، يتردد بلسان كل غيور على دم يمني يُسفك، وكل قلب ينبض بالانتماء لهذا الوطن: إذا كانت اختراقات ميليشيا الحوثي للمواقع والجبهات عبر شبكات الاتصالات (يمن موبايل ويو) حقيقة ساطعة كشمس النهار، ومؤكدة بقرائن الدم والشهادة، فلماذا لا تُقدِم الحكومة الشرعية على بتر هذه الأيدي الرقمية العابثة، وإيقاف خدمات تلك الشركات في مناطق المواجهات؟ أليست الأرواح وحياة الأبطال أقدس من كل الحسابات؟
إن السكوت عن هذا الاختراق المستمر لم يعد مجرد ثغرة تقنية، بل أضحى يُمثل خاصرة رخوة تتسلل منها نيران العدو لتقطف أنبل الأرواح. فمن غير المقبول عسكرياً ولا أخلاقياً أن تظل هواتف أبطالنا المرابطين في المتارس بمثابة جواسيس في الجيوب، تُحدد للميليشيا الإحداثيات، وترسم لها خارطة الاستهداف عبر غرف تحكم مركزية لا تزال خاضعة للسيطرة الكهنوتية في صنعاء.
في شرعة الحروب، تأمين الاتصالات أو عزل العدو عنها هو نصف النصر، والتهاون فيه هو نصف الهزيمة.
لا ننكر أن هذا الملف مثقل بالتعقيدات الشائكة؛ وقد تجد الحكومة الشرعية نفسها واقفة على حد سيفٍ قاطع.
من جهة، هناك الضغوط الإنسانية والاجتماعية، حيث تمثل هذه الشبكات شريان الحياة للملايين من المدنيين الذين يقطنون في القرى والمديريات المحاذية للجبهات، والذين يعتمدون عليها في معيشتهم، وتحويلاتهم المالية، واستغاثاتهم الطبية.
ومن جهة أخرى، يبرز العائق التقني في غياب البديل الحكومي الشامل والمستقل الذي يستطيع تغطية هذه المساحات الشاسعة فوراً دون إحداث عزل جماعي للمجتمعات المحلية، فضلاً عن تداخل نطاقات أبراج الإرسال الذي يجعل القطع الجغرافي الدقيق أمراً بالغ الصعوبة.
لكن، وأمام قدسية الدم اليمني، وضرورة معركة الحسم والخلاص تسقط كل الحجج والمبررات الاقتصادية أو التقنية. إن الحرب تقتضي اتخاذ قرارات جراحية حاسمة لإنقاذ الجسد من الهلاك.
وإذا كان إيقاف الشبكات بشكل كامل يتطلب وقتاً لبناء البدائل، فإن تفعيل إجراءات استثنائية وصارمة في نطاق المواجهات المباشرة أضحى ضرورة وجودية لا تقبل التأجيل.
يتوجب على الحكومة ومؤسساتها العسكرية الاكتفاء في منظومات اتصال لاسلكية مشفرة ومستقلة تماماً للجبهات، بالتوازي مع فرض حظر تقني مؤقت في مناطق التماس بالتنسيق مع غرف العمليات المشتركة.
إن دماء أبطالنا في مأرب، وتعز، والضالع، والساحل الغربي، وفي كل ثغر من ثغور اليمن، ليست حبراً على ورق التقارير السياسية، بل هي وقود معركة الكرامة الوطنية.
وعلى الحكومة الشرعية أن تدرك أن السيادة الميدانية لا تكتمل إلا بالسيادة الرقمية، وأن الحفاظ على حياة جندي واحد في متاريس الدفاع عن الجمهورية، يفوق في ميزان الشرف كل المكاسب أو التوازنات المعقدة.
لقد حان الوقت لإيقاف هذا النزيف الرقمي، فالمعركة معركة وجود، وفي صراع البقاء لا مكان للمواقف الرمادية المترددة.