اقتصاديون ومواطنون: استمرار ارتفاع الأسعار في عدن يكشف الاختلالات العميقة وغياب الرقابة الحكومية

تتواصل في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن موجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية والملبوسات والأدوية وغيرها من الاحتياجات، بالتوازي مع أزمة متفاقمة في الغاز المنزلي، رغم تحسن نسبي في قيمة العملة المحلية خلال الأشهر الأخيرة، ما يكشف حجم الاختلالات العميقة في السوق والغياب الملحوظ للرقابة الحكومية الفاعلة.

ويقول سكان في مديريات متفرقة من المدينة لوكالة "خبر" إن التحسن المحدود في سعر صرف الريال اليمني لم ينعكس على أسعار السلع الأساسية، التي واصلت الارتفاع أو ظلت عند مستويات مرتفعة، ما ضاعف من الأعباء المعيشية على الأسر، خاصة مع تراجع القدرة الشرائية للدخل.

حملات رقابية فاشلة

في المقابل، أعلن مكتب الصناعة والتجارة في مديرية دار سعد، يوم الثلاثاء الماضي، تنفيذ حملة رقابية ميدانية واسعة ضمن خطة عيد الفطر، استهدفت الأسواق والمحال التجارية، تنفيذاً لتوجيهات وزارة الصناعة والتجارة والسلطة المحلية.

وذكر المكتب أن الحملة شملت محطات غاز السيارات، والملاحم، والأفران، والبقالات، وباعة الخضروات والفواكه، مؤكداً التزام غالبية التجار بالإشهار السعري، والتقيد بالأوزان القانونية وجودة السلع، بما يسهم - حد تعبيره- في استقرار الأسواق وحماية المستهلك.

غير أن هذه التصريحات قوبلت بتشكيك واسع من قبل السكان، الذين أكدوا أن الأسعار لم تشهد أي تحسن ملموس، وأن الفوضى الرقابية لا تزال سمة بارزة في مديرية دار سعد وبقية مديريات عدن.

أزمة الغاز تتصدر المشهد

وأفاد مواطنون آخرون في مديريات المعلا وخور مكسر والتواهي والبريقة والمنصورة لـ"خبر" بأن الأسواق ما تزال تشهد تفاوتاً كبيراً في الأسعار، وغياباً واضحاً للرقابة، مقارنة بحجم التحسن الكفيف الذي شهدته في سبتمبر الماضي تزامناً مع أول تحسن شهدته العملة، نافين في ذات الوقت صحة ما ورد عن التزام واسع من قبل التجار باللوائح السعرية.

وأشاروا إلى أن الإجراءات الرقابية، إن وُجدت، تُنفذ بشكل متقطع وغير متزامن بين مختلف مديريات المدينة، الأمر الذي يبقي تأثيرها محدوداً ولفترة زمنية محدودة أيضاً ويجعلها غير قادرة على ضبط الأسواق أو كبح جماح الأسعار.

وعلى صعيد آخر، تتواصل أزمة الغاز المنزلي منذ أكثر من أربعة أشهر، لتبقى في صدارة الأزمات اليومية التي تواجه السكان، وسط اتهامات مباشرة لشركات محلية بتهريب كميات كبيرة من الحصص المخصصة لعدن والمحافظات المجاورة إلى مناطق خاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي،دون أن تتخذ الجهات الحكومية المعنية اي ضوابط تجاه المخالفون.

وبينما تتحدث الجهات المعنية عن استمرار أعمال الإشراف على عملية التوزيع بالتنسيق مع اللجان المجتمعية، وعن التزام ملحوظ من قبل الوكلاء، يؤكد مواطنون لوكالة "خبر" أن الواقع مختلف تماماً، حيث لا تزال معظم المحطات مغلقة إلا بشكل متقطع، فيما تتشكل طوابير طويلة أمام القليل من المحطات العاملة.

ويقول السكان لـ"خبر" إن هذه الطوابير تضم مركبات تعمل بالغاز إلى جانب مواطنين يبحثون عن المادة للاستخدام المنزلي، في ظل شح الإمدادات وغياب حلول عملية للأزمة.

تآكل القدرة الشرائية

وتشير تقارير محلية ورسمية إلى أن رواتب الموظفين الحكوميين فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها الفعلية خلال السنوات الماضية، نتيجة تدهور العملة المحلية وارتفاع أسعار العملات الأجنبية، إذ تراجعت قيمة الريال اليمني إلى مستويات تفوق ثمانية أضعاف ما كانت عليه قبل اندلاع الحرب في عام 2015.

ورغم التحسن النسبي الأخير في سعر الصرف، إلا أن هذا التحسن لم ينعكس على أسعار السلع والخدمات، ما عمّق الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة، وترك شريحة واسعة من السكان تواجه أوضاعاً اقتصادية متدهورة.

وقال اقتصاديون لـ"خبر" إن استمرار ارتفاع الأسعار رغم تحسن العملة يعكس خللاً في آليات التسعير وضعفاً في أدوات الرقابة، إضافة إلى تأثيرات تراكمية للأزمة الاقتصادية، بما في ذلك تكاليف النقل والاستيراد وهوامش الربح غير المنظمة.

وأكدوا أن غياب تدخل حكومي فعَّال وموحَّد عبر مختلف مديريات عدن يفاقم من حالة الانفلات في الأسواق، ويجعل أي إجراءات رقابية جزئية غير كافية لإحداث تغيير ملموس في واقع الأسعار أو تخفيف الأعباء عن المواطنين.

وفي ظل غياب الرقابة الحكومية يبقى المواطنون عُرضة لاستغلال التجار إلى أجل غير مسمى، الأمر الذي يسهم في زيادة اتساع رقعة الفقر وارتفاع أعداد الضحايا.