الجبايات الحوثية.. "الدورات الصيفية" غطاء لنهب القطاع الخاص في اليمن (تقرير)

تشهد مناطق سيطرة مليشيات الحوثي في اليمن خلال الفترة الأخيرة موجة جديدة من فرض الجبايات المالية على القطاع التجاري والاقتصادي، في إطار حملات منظمة تستهدف المحال التجارية والشركات ورجال الأعمال، تحت مسمى “دعم الدورات الصيفية”، في خطوة وُصفت بأنها امتداد لتوسيع شبكة التمويل غير الرسمي التي تعتمد عليها المليشيا في إدارة أنشطتها المالية والإدارية بعيدًا عن القنوات الحكومية الرسمية.

وتفيد معطيات ميدانية متقاطعة من عدة محافظات خاضعة لسيطرة المليشيا، بينها صنعاء وإب وذمار والحديدة وحجة، بأن عمليات التحصيل باتت أكثر اتساعًا من حيث نطاق الاستهداف، وأكثر تشددًا من حيث آليات التنفيذ، إذ لم تعد تقتصر على فئات تجارية محددة، بل امتدت لتشمل مختلف الأنشطة الاقتصادية دون استثناء تقريبًا، بما في ذلك المحلات الصغيرة والمتوسطة، وورش العمل، وبعض المؤسسات الخدمية.

ويؤكد تجار أن هذه الحملات تأتي في وقت بالغ الحساسية اقتصاديًا، حيث تعاني الأسواق من حالة ركود حاد وتراجع في القوة الشرائية، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف التشغيل وتدهور البيئة الاستثمارية، ما يجعل أي التزامات مالية إضافية عبئًا مضاعفًا على القطاع الخاص الذي يواجه أصلًا تحديات معقدة.

آليات التحصيل بين المؤسسات الرسمية والمشرفين المحليين

تعتمد عمليات فرض الجبايات المرتبطة بالدورات الصيفية على شبكة غير موحدة من القنوات، تشمل مكاتب الأوقاف، ومكاتب التربية والتعليم، إضافة إلى مشرفين محليين يتبعون المليشيا في المديريات والأحياء، حيث يتم توزيع مهام التحصيل بشكل مرن، بينما تُحدد الأهداف المالية بصورة مركزية من قبل جهات غير معلنة داخل الهيكل الإداري للجماعة. 

وتشير مصادر محلية إلى أن عملية التحصيل تتم غالبًا عبر زيارات ميدانية مباشرة للمحال التجارية والأسواق، حيث يتم إبلاغ أصحاب الأنشطة التجارية بالمبالغ المطلوبة بشكل فردي، بناءً على تقديرات تتعلق بحجم النشاط التجاري أو موقعه أو طبيعة عمله، دون وجود معايير رسمية معلنة أو آلية شفافة لتحديد هذه المبالغ.

وفي حالات متعددة، يتم توزيع ما يشبه “حصصًا مالية” على الأحياء والأسواق، بحيث يُطلب من كل منطقة جمع مبلغ إجمالي يتم تقسيمه لاحقًا بين التجار، ما يخلق حالة من الضغط الجماعي غير المباشر، يدفع التجار إلى الالتزام خوفًا من التبعات أو من الإضرار بعلاقاتهم مع السلطات المحلية.

“الدورات الصيفية” كغطاء مالي وأداة تعبئة اجتماعية

تُقدَّم الدورات الصيفية في الخطاب الإعلامي لمليشيا الحوثي باعتبارها برامج تعليمية وتثقيفية تستهدف النشء خلال فترة الإجازة المدرسية، وتركز على تعزيز القيم الدينية والثقافية وتنمية المهارات لدى الطلاب، إلا أن مراقبين يرون أن هذه البرامج باتت تحمل أبعادًا أخرى تتجاوز الإطار التعليمي التقليدي.

وتشير قراءات تحليلية إلى أن هذه الدورات تحولت تدريجيًا إلى أداة تعبئة فكرية واجتماعية، يتم من خلالها استقطاب فئات عمرية صغيرة وإخضاعها لبرامج ذات محتوى أيديولوجي، بالتوازي مع استخدامها كعنوان لجمع التمويل من القطاع الخاص، في إطار آلية تمويل مزدوجة تجمع بين البعدين الاجتماعي والمالي.

ويؤكد متابعون للشأن المحلي أن ربط الجبايات بمسمى “الدورات الصيفية” يمنحها غطاءً اجتماعيًا مقبولًا ظاهريًا، لكنه في الواقع يخفي طبيعة إلزامية في عملية التحصيل، حيث لا تُترك مساحة حقيقية للاختيار أمام المكلفين بالدفع، خصوصًا في ظل بيئة سياسية وأمنية شديدة الحساسية.

ضغوط مباشرة وغير مباشرة على القطاع الخاص

تتعدد أساليب الضغط التي تُمارس على التجار وأصحاب الأعمال في إطار حملات التحصيل الأخيرة، حيث لا تقتصر على المطالبات المالية المباشرة، بل تمتد إلى ضغوط إدارية وغير رسمية، تشمل التلويح بإجراءات تعقيد المعاملات، أو التأخير في منح التراخيص، أو فرض قيود على بعض الأنشطة التجارية.

ويشير عدد من رجال الأعمال إلى أن هذا النمط من الضغط يضعهم في موقف معقد، إذ يجدون أنفسهم مضطرين للاستجابة لتفادي أي تبعات محتملة قد تؤثر على نشاطهم التجاري، في ظل غياب أي آليات قانونية واضحة يمكن اللجوء إليها للاعتراض أو التظلم.

كما يؤكد تجار أن هذه الجبايات باتت تُفرض بشكل دوري ومتكرر، مع اختلاف العناوين فقط، حيث تتغير المبررات من موسم إلى آخر، بين دعم المناسبات الدينية أو الأنشطة التعليمية أو المبادرات الاجتماعية، بينما يبقى الهدف الأساسي ثابتًا وهو تأمين مصادر مالية خارج النظام المالي الرسمي.

الاقتصاد الموازي وتآكل البيئة الاستثمارية

يرى خبراء اقتصاديون أن هذه الممارسات تعكس اتساع نطاق الاقتصاد الموازي في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث يتم إنشاء منظومة مالية غير رسمية تعتمد على الإتاوات والجبايات المتعددة بدلًا من الإيرادات الضريبية النظامية.

ويشير هؤلاء إلى أن هذا النمط من الاقتصاد يؤدي إلى إضعاف بيئة الاستثمار بشكل كبير، لأنه يخلق حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين، ويزيد من تكاليف التشغيل، ويحد من القدرة على التخطيط طويل الأمد، في ظل غياب الاستقرار التشريعي والمالي.

كما أن غياب الشفافية في آليات جمع هذه الأموال وإنفاقها يعزز المخاوف بشأن تحويل الموارد الاقتصادية إلى قنوات غير واضحة الاستخدام، ما يضعف الثقة بين القطاع الخاص والجهات المسيطرة على الأرض.

تحولات العلاقة بين السلطة والقطاع الخاص

شهدت العلاقة بين السلطات القائمة في مناطق سيطرة الحوثيين والقطاع الخاص تحولات جوهرية خلال السنوات الأخيرة، حيث انتقلت من علاقة تنظيمية تعتمد على الضرائب الرسمية إلى علاقة تمويل قسري غير مباشر، يُستخدم فيها القطاع التجاري كمصدر رئيس لتمويل أنشطة مختلفة خارج إطار الدولة.

ويشير هذا التحول إلى إعادة تعريف غير معلنة لدور القطاع الخاص، الذي لم يعد يُنظر إليه كفاعل اقتصادي مستقل، بل كمصدر تمويل يجب توظيفه لدعم برامج وأنشطة متعددة، بعضها ذو طابع اجتماعي أو تعليمي، وبعضها الآخر يرتبط ببنية السيطرة والإدارة المحلية.

ويؤكد رجال أعمال أن هذا الواقع أدى إلى تراجع كبير في مستوى الثقة بالبيئة الاقتصادية، وخلق حالة من الحذر الشديد في التوسع أو الاستثمار، خشية التعرض لمزيد من الأعباء المالية غير المتوقعة.

غياب الشفافية وتعدد مسارات الجباية

تتسم عمليات التحصيل المرتبطة بالدورات الصيفية وغيرها من العناوين بغياب شبه كامل للشفافية، سواء من حيث تحديد الجهات المسؤولة عن الجمع، أو آليات توزيع الأموال، أو أوجه إنفاقها الفعلية.

وتعمل هذه الجبايات عبر مسارات متعددة ومتوازية، ما يجعل من الصعب تتبعها أو ضبطها ضمن إطار مالي موحد، حيث تتداخل فيها الأدوار بين جهات رسمية غير مكتملة الصلاحيات ومشرفين ميدانيين ذوي نفوذ محلي.

ويؤدي هذا التعدد إلى خلق بيئة مالية غير مستقرة، تتفاوت فيها مستويات الضغط من منطقة إلى أخرى، ومن نشاط اقتصادي إلى آخر، دون وجود معايير واضحة تحكم عملية التحصيل.

انعكاسات اقتصادية واجتماعية متصاعدة

تنعكس هذه السياسات بشكل مباشر على الواقع الاقتصادي والاجتماعي في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث يؤدي ارتفاع الأعباء المالية على القطاع الخاص إلى زيادة أسعار السلع والخدمات، نتيجة تحميل التكاليف الإضافية على المستهلك النهائي.

كما أن استمرار هذه الضغوط يهدد بإضعاف القدرة التشغيلية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد المحلي، ما قد يؤدي إلى إغلاق بعضها أو تقليص نشاطها بشكل تدريجي.

وعلى المستوى الاجتماعي، تساهم هذه السياسات في تعميق حالة التوتر بين القطاع التجاري والسلطات المحلية، في ظل شعور متزايد بعدم العدالة في توزيع الأعباء الاقتصادية، وغياب أي أفق واضح لتحسين البيئة الاقتصادية العامة.

خاتمة تحليلية: اقتصاد تحت ضغط الجباية المستمرة

في المحصلة، تعكس موجة الجبايات الجديدة تحت غطاء “الدورات الصيفية” استمرار تحول القطاع الخاص في مناطق سيطرة الحوثيين إلى مصدر رئيسي للتمويل غير الرسمي، ضمن منظومة اقتصادية تعتمد على الإتاوات المتعددة بدلًا من الإنتاج والاستثمار.

ويشير هذا الواقع إلى تعمق نمط اقتصادي قائم على الجباية كأداة إدارة مالية، وهو نمط يثير تساؤلات جدية حول مستقبل النشاط الاقتصادي في هذه المناطق، وقدرته على الصمود في ظل استمرار الضغوط المالية المتزايدة وغياب البيئة الاستثمارية المستقرة.