"الذهب الأبيض" المنهوب.. كيف يبتلع ثقب التهريب رخام مأرب؟

كشف تقرير استقصائي حديث عن عمليات نهب واسعة ومنظمة لثروات الرخام في محافظة مأرب (شمال شرق اليمن)، محذراً من تحول "الذهب الأبيض" من مورد وطني إلى وقود يغذي شبكات اقتصاد الحرب. 

هذا التقرير، الذي أنتجته قناة DW الألمانية بالتعاون مع مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد (OCCRP)، أماط اللثام عن فوضى عارمة تضرب قطاع التعدين، حيث تُستنزف جبال المحافظة، وتحديداً في منطقة "الثنية"، بعيداً عن رقابة الدولة الرسمية.

وتكمن في منطقة "الثنية" التابعة لمحافظة مأرب واحدة من أجود احتياطيات الرخام في شبه الجزيرة العربية؛ هذا الكنز الذي اكتشفه الشيخ حمد بن شق العبيدي قبل عقود، تحول في ظل غياب سلطة الدولة المركزية إلى "إقطاعيات" خاصة. 

ويكشف التحقيق أن عملية الاستخراج تتم بعيداً عن أعين الرقابة الفنية لوزارة النفط والمعادن؛ فبدلاً من العقود الرسمية التي تضمن حق الدولة، تسيطر قوى محلية وقبلية (تابعة لحزب الاصلاح) على المحاجر، حيث تُدار العمليات بعقلية "الغنائم"، ويتم حفر الجبال بوسائل عشوائية تسببت في إهدار مساحات شاسعة من الثروة المعدنية.

وقد تتبع الفريق مسارات التهريب انطلاقاً من المحاجر وصولاً إلى الأسواق الدولية، مستنداً إلى وثائق حصرية وبيانات تصدير أظهرت حجم التلاعب في القيمة الفعلية للشحنات. وفصّل التحقيق في الآلية التي تتبعها شبكات النفوذ للالتفاف على القوانين السيادية عبر تصدير كميات تجارية ضخمة تحت غطاء "عينات فنية للتقييم". 

ولفت التقرير إلى أن هذه الحيلة القانونية تمنح المهربين ضوءاً أخضر لعبور المنافذ الحدودية دون دفع الرسوم الجمركية أو الضرائب المستحقة، وهو ما أكدته سجلات رصدت شحنات تزن عشرات الأطنان خرجت من اليمن بأسعار رمزية في الأوراق الرسمية، بينما تُباع بأسعار خيالية في الخارج.

إلى جانب ذلك، أوضح التقرير أن قطاع الرخام بات يُدار ضمن "اقتصاد موازٍ" يخدم أطرافاً نافذة وأمراء حرب، حيث تُستبدل الضرائب القانونية بجبايات وإتاوات تُدفع عند نقاط تفتيش غير رسمية مقابل توفير الحماية الأمنية للشاحنات.

 ويرى مراقبون أن هذا الواقع لم يحرم الدولة من مواردها فحسب، بل خلق بيئة خصبة للفساد تمنع أي استثمار وطني شفاف وتكرس سيطرة السلاح على الموارد الطبيعية، مما يجعل من استنزاف رخام مأرب تبديداً لمستقبل الأجيال القادمة وتقويضاً لفرص إعادة الإعمار؛ لتستقر هذه الثروات في نهاية المطاف لتزيين مبانٍ وفنادق فخمة حول العالم، تاركةً خلفها حُفراً من الفقر والضياع في قلب الصحراء اليمنية.