عمران 2014.. كيف فككت "تحالفات الضرورة" حصن العاصمة الأخير؟
لم تكن أحداث محافظة عمران في منتصف عام 2014 مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش اليمني ومليشيا مسلحة فحسب، بل كانت أيضاً لحظة مفصلية في مسار الدولة اليمنية الحديثة، ونقطة التحول التي أعادت تعريف ميزان القوة في البلاد.
فقد شكّل سقوط اللواء 310 مدرع، أحد أهم تشكيلات الجيش اليمني في الشمال، بيد مليشيات الحوثي، إعلاناً عملياً عن اهتزاز البنية العسكرية للدولة، وأكدت حقيقة عقد اتفاقات حزبية ضاغطة على القرار الرسمي حينها في تسليم محافظة عمران للمليشيا لتكون البداية الأولى لتحول الحوثيين من مليشيا مسلحة إلى قوة صاعدة تمتلك تنظيمًا عسكرياً صلباً ومشروعاً أيديولوجياً مدعوماً على الأرض وامتداداً لمشروع عابر للقارات بدعم إيراني.
في تلك اللحظة، كانت الدولة اليمنية تبدو ظاهرياً في حالة إدارة للأزمة، بينما كانت في الواقع ومع الاتفاقات غير المعلنة بين قوى حزبية قبلية ورضوخ القرار والارادة الحكومية الرسمية حينها لإملاءات تلك القوى ممثلاً بحزب التجمع اليمني للإصلاح (فرع تنظيم الاخوان المسلمين في اليمن) تفقد تدريجياً قدرتها على فرض سلطتها على الأرض.
عمران لم تسقط فجأة، بل كانت نتيجة تراكمات من التوترات والصفقات السياسية بعد عام 2011، بين القوى المتصدرة لنكبة واحداث 2011 وتآكل مؤسسات الجيش، وتداخل الولاءات داخل المؤسسة العسكرية، إلى جانب صراع النخب السياسية الذي أضعف مركز القرار في صنعاء.
ومع دخول الحوثيين إلى مركز المحافظة وسيطرتهم على المعسكرات ومخازن السلاح، بدا المشهد وكأنه انتقال تدريجي لمركز القوة من الدولة إلى فاعل مسلح غير مؤسسي، في لحظة وصفها كثير من المراقبين بأنها بداية الانهيار الفعلي لاحتكار الدولة للعنف.
تصريح هادي
في خضم تلك التطورات، خرج الرئيس اليمني، آنذاك، عبد ربه منصور هادي بتصريحات اعتبر فيها أن محافظة عمران “عادت إلى حضن الدولة”، في محاولة لتقديم المشهد بوصفه استعادة للسيطرة الحكومية، لا خسارة لها.
لكن المفارقة التي رافقت ذلك التصريح كانت أن الوقائع على الأرض كانت تسير في الاتجاه المعاكس تماماً. فبدلاً من أن تعود الدولة إلى عمران، كانت عمران نفسها قد أصبحت بوابة لتمدد قوة مسلحة نحو العاصمة صنعاء.
التصريح، في سياق القراءة السياسية اللاحقة، عكس أكثر من مجرد تقييم ميداني؛ إذ يعكس حالة ارتباك سياسي لدى رأس السلطة التنفيذية في فهم حجم التحول الذي كان يحدث.
فالدولة التي يُفترض أنها استعادت محافظة، كانت عملياً قد فقدت لواءً عسكرياً كاملاً، وخسرت نقطة ارتكاز استراتيجية في الشمال، وفتحت الباب أمام إعادة تشكيل الخريطة العسكرية والسياسية للبلاد.
ومن هنا، بدا أن الخطاب الرسمي كان في وادٍ بينما كانت ديناميكيات القوة على الأرض تتحرك في وادٍ آخر تماماً، وهو ما عمّق لاحقاً فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، ورسّخ الإحساس الشعبي بأن الدولة تفقد تدريجياً قدرتها على التحكم بمسار الأحداث.
من عمران إلى صنعاء.. تسارع انهيار التوازنات
لم تمر سوى أسابيع قليلة حتى تحولت أحداث عمران إلى نقطة انطلاق نحو العاصمة صنعاء. فقد أدت التسويات بين القوى المسيطرة على محافظة عمران والقرار الرئاسي حينها إلى الانهيار العسكري في المحافظة ودفعت مليشيات الحوثي إلى توسيع نطاق تحركاتها، مستفيدة من حالة التفكك داخل المؤسسة العسكرية، ومن ضعف القرار السياسي في إدارة الأزمة.
وبينما كانت القوى السياسية تتجادل حول طبيعة الحلول الممكنة، كانت المليشيات المسلحة تتحرك على الأرض بسرعة لافتة، حتى وصلت إلى أطراف العاصمة، في مشهد عكس انتقال ميزان القوة من الدولة إلى الفاعل المسلح بشكل شبه كامل.
هذا التحول لم يكن مجرد تطور عسكري، بل كان مقدمة لتحول سياسي أعمق، تمثل في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والقوة المسلحة، وهو ما تجسد لاحقاً في ما عرف باتفاق السلم والشراكة.
اتفاق السلم والشراكة
في الحادي والعشرين من سبتمبر 2014، تم التوقيع على ما سمي باتفاق السلم والشراكة في صنعاء، بمشاركة الأطراف السياسية الرئيسية، وبرعاية أممية، في محاولة لاحتواء الانفجار السياسي والعسكري الذي كان يتسارع في البلاد.
الاتفاق جاء بعد دخول الحوثيين إلى العاصمة وسيطرتهم على مفاصل مهمة في الدولة، وهو ما جعل التوقيع عليه يتم في سياق ضاغط، أكثر منه نتيجة تفاوض متكافئ بين أطراف سياسية مستقرة.
من الناحية الشكلية، كان الاتفاق يهدف إلى إعادة ترتيب المرحلة الانتقالية، وضمان مشاركة أوسع في الحكم، وتثبيت مخرجات الحوار الوطني. لكنه عملياً فتح الباب أمام إدماج مليشيات الحوثي، التي كانت تُصنف حتى وقت قريب كقوة مسلحة متمردة، في إطار العملية السياسية الرسمية.
هذا التحول كان جوهرياً، لأنه نقل المليشيا من موقع خارج الدولة إلى موقع داخل الدولة. وبذلك، أصبح الحوثيون طرفاً معترفاً به سياسياً، رغم أن جزءاً كبيراً من قوتهم كان لا يزال قائماً على السيطرة العسكرية على الأرض.
كيف تحوّل الحوثي من مليشيا مسلحة إلى شريك سياسي؟
التحول الذي شهده الحوثيون لم يكن نتيجة اندماج تدريجي داخل مؤسسات الدولة، بل كان نتيجة معادلة ضغط فرضها ميزان القوة على الأرض. فمع توسع السيطرة الميدانية للمليشيا، أصبح من الصعب تجاهلها سياسياً، ما دفع الأطراف المحلية والدولية إلى البحث عن صيغة لاستيعابها ضمن إطار سياسي.
اتفاق السلم والشراكة لعب دوراً محورياً في هذا التحول، إذ منح المليشيا موقعاً داخل ترتيبات السلطة الانتقالية، وفتح لها أبواب المشاركة في مؤسسات الدولة.
لكن هذا التحول السياسي لم يكن مترافقاً مع تفكيك البنية العسكرية للمليشيا، ولا مع دمجها الكامل في الدولة وفق قواعد تقليدية، بل كان أقرب إلى تسوية مؤقتة فرضتها الضرورة السياسية والأمنية. وبذلك، أصبح الحوثي في لحظة واحدة طرفاً سياسياً معترفاً به رسمياً، وقوة عسكرية مستقلة فعلياً على الأرض.
هذه الازدواجية هي التي شكلت لاحقاً أحد أهم أسباب تفكك الدولة، لأنها أخلّت بمبدأ احتكار الدولة للسلاح، وخلقت نموذجاً جديداً يقوم على شراكة غير متوازنة بين الدولة والقوة المسلحة.
من الدولة إلى اللا دولة.. تحولات في البنية والوظيفة
بعد اتفاق السلم والشراكة لم تستقر الأوضاع، بل دخلت البلاد في مرحلة أكثر تعقيداً، تمثلت في انتقال مركز القوة تدريجياً خارج مؤسسات الدولة الرسمية.
فالدولة التي كانت تمتلك، رغم ضعفها، حينها مركز قرار واحداً، تحولت إلى ساحة تتقاسمها سلطات متعددة، بعضها سياسي وبعضها عسكري، وبعضها هجين بين الاثنين.
هذا التحول أنتج ما يمكن وصفه بواقع اللا دولة حيث لم تعد الدولة قادرة على احتكار القرار أو القوة أو حتى تقديم الخدمات بشكل موحد، وأصبح لكل منطقة مركز نفوذ خاص بها.
في المقابل، نشأت سلطات أمر واقع، وبرزت تشكيلات مسلحة، وتفككت البنية الإدارية والمالية، ما أدى إلى انقسام فعلي في وظائف الدولة الأساسية.
المقارنة الشعبية بين زمن الدولة واللا دولة
على المستوى الشعبي، برزت مقارنة واضحة بين مرحلتين متناقضتين في الوعي الجمعي اليمني: المرحلة الأولى، التي تُوصف غالباً بـزمن الدولة، كانت تعكس وجود مركز سيادي واحد، وقدرة على فرض النظام العام، واستقرار في حركة الاقتصاد والخدمات.
أما المرحلة الثانية، التي تُعرف اليوم بـزمن اللا دولة فهي تعكس واقعاً مختلفاً تماماً، حيث تتعدد السلطات، وتتباين القوانين، وتختلف أنماط الحكم من منطقة إلى أخرى، وتتحول الحياة اليومية إلى معادلة معقدة من التكيف مع سلطات متداخلة.
في هذا السياق، يرى كثير من المواطنين أن الفارق الأساسي لا يكمن فقط في مستوى الخدمات أو الاقتصاد، بل في مفهوم الأمان السياسي ذاته، أي وجود دولة واحدة يمكن التوجه إليها ومساءلتها، وهو ما تلاشى تدريجياً بعد عام 2014 تباعاً ونتاج ما أحدثته أحداث 2010م من انهيار وتفكك مسار وفاعلية واستقلالية مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية على حدٍ سواء.
عمران كرمز وصنعاء كنقطة انعطاف
يمكن النظر إلى عمران بوصفها أكثر من مجرد محافظة سقطت عسكرياً، بل كرمز لانهيار التوازنات القديمة، بينما تمثل صنعاء نقطة التحول الكبرى التي أعادت تشكيل النظام السياسي اليمني بالكامل.
بين هذين الحدثين، تشكلت ملامح مرحلة جديدة في تاريخ اليمن، لم تعد فيها الدولة هي الفاعل الوحيد، بل أصبحت هي الحلقة الاضعف من عدة فاعلين يتقاسمون الأرض والسلطة والنفوذ.
دولة تتآكل وواقع يتشكل
إن قراءة مسار الأحداث من عمران إلى اتفاق السلم والشراكة، تكشف أن ما جرى لم يكن مجرد سلسلة تطورات أمنية، بل كان تحولاً بنيوياً عميقاً في مفهوم الدولة نفسها. فالتصريحات السياسية التي تحدثت عن عودة عمران إلى الدولة، والاتفاقات التي هدفت إلى إعادة ترتيب الشراكة، انتهت عملياً إلى نتيجة مختلفة تماماً: دولة تتراجع، وواقع جديد يتشكل خارج أطرها التقليدية.
وبين زمن الدولة وزمن اللا دولة، لا يزال اليمن يعيش لحظة مفتوحة على احتمالات صعبة متعددة، لم تُحسم بعد، لكنها بدأت فعلياً في تلك اللحظة التي سقطت فيها عمران، وتبدلت فيها قواعد اللعبة السياسية والعسكرية في البلاد إلى ما يعيشه اليمن الآن من انقلاب حوثي غيب الدولة وأنتج مشروع اللا دولة.