صانع فجر مايو ومؤسس الدولة الحديثة.. عبقرية الزعيم صالح في هندسة مشروع اليمن الكبير

يمثل يوم الثاني والعشرين من مايو من كل عام محطة استثنائية فارقة في تاريخ اليمن المعاصر تتجاوز كونها مجرد ذكرى عادية بل هي تجسيد حي لانتصار الإرادة الوطنية الصلبة التي قادها الرئيس الزعيم علي عبدالله صالح بكل حنكة واقتدار نحو تحقيق الحلم الأكبر المتمثل في إعادة تحقيق الوحدة اليمنية ورفع راية الجمهورية اليمنية خفاقة في سماء عدن الباسلة، ليعلن للعالم أجمع ولادة فجر جديد طالما انتظرته الأجيال المتعاقبة.

لقد كانت الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990م ثمرة مباشرة لرؤية ثاقبة وإرادة لا تلين امتلكها الزعيم القائد الرئيس علي عبد الله صالح، الذي آمن منذ اللحظات الأولى لتوليه مقاليد الحكم بأن قوة اليمن واستقراره وازدهاره لا يمكن أن تتحقق إلا بإنهاء عهود التشطير والتشرذم ومحو الحدود المصطنعة التي مزقت الجسد الواحد وعطلت مسارات التنمية والبناء ونشرت قيم الصراع والفرقة بين أبناء الوطن الواحد.

وفي هذه المناسبة الوطنية الغالية يتجلى بوضوح ذلك الدور المحوري والتاريخي الذي اضطلع به الزعيم الصالح كمهندس ومؤسس وحامٍ لهذا المنجز العظيم، حيث استطاع بحكمته السياسية الفائقة وقدرته الفذة على قراءة التحولات الدولية والإقليمية المحيطة بالمنطقة أن يحول الحلم الوحدوي من مجرد شعارات وخطابات حماسية تتردد في المناسبات إلى واقع ملموس ومؤسسات راسخة على الأرض متجاوزاً كافة العقبات والعراقيل والدسائس التي حاولت إجهاض هذا المشروع الوطني الكبير في مهده.

إن صياغة هذا المنجز لم تكن وليدة الصدفة بل كانت نتاج نضال سياسي ودبلوماسي مرير خاضه الرئيس علي عبد الله صالح بصبر الشجعان وحكمة القادة العظام، مستنداً إلى التفاف شعبي منقطع النظير وثقة مطلقة من الجماهير اليمنية في شمال الوطن وجنوبه التي رأت فيه القائد المخلص والزعيم القادر على قيادة سفينة الوطن نحو بر الأمان والحرية والكرامة والرفعة بين الأمم والشعوب.

صانع فجر مايو ومؤسس الدولة الحديثة

حينما يقف التاريخ إجلالاً أمام المنعطفات الكبرى التي غيرت مجرى الأحداث في شبه الجزيرة العربية والمنطقة بأسرها يبرز اسم الرئيس علي عبد الله صالح كأحد أبرز القادة التاريخيين الذين تركوا بصمة لا تمحى في وجدان الأمة اليمنية والعربية، فقد كان القائد الذي امتلك الشجاعة السياسية والجرأة الاستراتيجية لاتخاذ القرار التاريخي الشجاع بالذهاب إلى عدن ورفع علم الجمهورية اليمنية معلناً انتهاء زمن التشطير وإلى الأبد.

لقد تميز النهج السياسي للرئيس صالح بالقدرة الاستثنائية على تذليل الصعاب وتقريب وجهات النظر والترفع عن الصغائر في سبيل تحقيق المصلحة الوطنية العليا لليمن واليمنيين ولم تكن مسيرته نحو الوحدة مجرد تفاهمات عابرة بل كانت استراتيجية وطنية متكاملة تهدف إلى بناء دولة مؤسسات حديثة وقوية ترتكز على مبادئ الديمقراطية والتعددية السياسية وحرية الصحافة والتعبير وهي الركائز الأساسية التي تزامنت مع إعلان الوحدة المباركة لمنحها سياجاً ديمقراطياً يحميها ويضمن استمرارها وتطورها.

ومنذ أن تولى قيادة الوطن في السابع عشر من يوليو 1978م، وضع الرئيس علي عبد الله صالح قضية إعادة تحقيق الوحدة اليمنية في مقدمة أولوياته القصوى واعتبرها الهدف الأسمى الذي يجب سحق كافة العقبات من أجل الوصول إليه وخاض في سبيل ذلك سلسلة طويلة ومضنية من الحوارات واللقاءات والاتفاقيات المستمرة التي كان يديرها بنفسه وبنفس طويل مستخدماً كاريزمته القيادية الفذة وقدرته العالية على الإقناع وصناعة التوافقات الوطنية.

وكان الزعيم يدرك تماماً أن الوحدة ليست مجرد ضم شطر إلى شطر بل هي عملية دمج شاملة للمؤسسات والجيش والاقتصاد وثقافة المجتمع ولذلك حرص على أن تسير الخطوات الوحدوية بوعي وتخطيط مدروس شمل تطوير البنية التحتية وربط المحافظات ببعضها بشبكات طرق حديثة وتأسيس الجامعات والمستشفيات والمشاريع الاستراتيجية الكبرى التي تمثل الشرايين المغذية للدولة الموحدة الوليدة وضمان ديمومتها وقوتها أمام كل العواصف المتوقعة.

حكمة القيادة 

ولم تكن مسيرة الوحدة مفروشة بالورود بل واجهت منذ أيامها الأولى مؤامرات كبرى ودسائس خبيثة حاولت الانقلاب على الإرادة الشعبية وإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء ونفق التشطير خاصة عندما تحركت قوى الردة والانفصال في صيف عام 1994م ميلادية في محاولة يائسة لتمزيق الوطن وإعلان الانفصال من طرف واحد ضاربة بعرض الحائط بكل العهود والاتفاقيات والآمال الشعبية العريضة.

وفي تلك اللحظة التاريخية الحرجة تجلت عظمة القائد الزعيم علي عبد الله صالح الذي لم يتردد لحظة واحدة في صون الوحدة والدفاع عنها باعتبارها مقدساً وطنياً لا يمكن التفريط فيه أو المساومة عليه وقاد معركة الدفاع عن الوحدة والشرعية الدستورية بكل بسالة وشجاعة متسلحاً بإيمان عميق بعدالة القضية والتفاف جارف من أبناء الشعب اليمني وقواته المسلحة والأمن الباسلة.

وتمكن الرئيس صالح بحنكته العسكرية والسياسية من دحر مؤامرة الانفصال وتثبيت مداميك الوحدة اليمنية في السابع من يوليو 1994م ليعلن من جديد انتصار الإرادة اليمنية الحرة وتطهير الوطن من دنس المؤامرات التي استهدفت كيانه وهويته ليدشن اليمن بعد ذلك مرحلة جديدة من البناء والاعمار وتجاوز آثار تلك الأزمة وتعميق قيم التسامح والعفو العام الذي أصدره الرئيس مجسداً روح القائد الأب لكل اليمنيين دون استثناء.

إن الانتصار في معركة الدفاع عن الوحدة لم يكن انتصاراً عسكرياً فحسب بل كان انتصاراً للمشروع الحضاري لليمن الكبير الذي يقوده الزعيم الصالح حيث أثبت للعالم أجمع أن وحدة اليمن عصية على الانكسار وأنها أصبحت حقيقة راسخة متجذرة في أعماق التربة اليمنية وفي قلوب ومشاعر الملايين من أبناء هذا الشعب العظيم الذين لن يفرطوا في منجزهم التاريخي الأهم مهما غلت التضحيات.

منجزات 

وعقب تثبيت دعائم الوحدة واستقرار الدولة انطلقت عجلة التنمية والبناء الشامل في ربوع اليمن تحت الرعاية الكريمة والتوجيهات السديدة للرئيس علي عبد الله صالح، حيث شهدت البلاد نهضة تنموية واقتصادية واجتماعية غير مسبوقة شملت كافة المحافظات دون تمييز واكتست المدن والقرى اليمنية بحلة من المشاريع الحيوية التي غيرت وجه الحياة في اليمن ونقلته إلى مصاف الدول السائرة نحو التقدم والازدهار.

ومن خلال مشاريع التنمية والاستثمار في شتي المجالات فضلاً عن استخراج النفط والغاز المسال وتطوير قطاع الموانئ والمنطقة الحرة في عدن التي أولاها الرئيس اهتماماً خاصاً لتكون العاصمة الاقتصادية والتجارية لليمن الموحد وبوابته نحو العالم.

وفي قطاع التعليم والشباب تم في عهد الرئيس صالح إنشاء عشرات الجامعات الحكومية والأهلية والآلاف من المدارس والمعاهد الفنية والمهنية في كل مديرية وعزلة يمنية مما ساهم في القضاء على الأمية وتأهيل أجيال من الشباب اليمني المسلح بالعلم والمعرفة والقادر على العطاء والبناء وتوسعت شبكات الطرق الحديثة والعملاقة التي ربطت شرق اليمن بغربه وشماله بجنوبه لتسهيل حركة المواطنين والتجارة وتعميق الروابط الاجتماعية والأسرية بين أبناء الوطن الواحد.

كما حظي القطاع الصحي برعاية فائقة من خلال بناء المستشفيات الحديثة والمراكز الصحية المتخصصة وتوفير الرعاية الطبية للمواطنين، وشهدت السياسة الخارجية لليمن في عهد الرئيس صالح نجاحات باهرة حازت على احترام وثقة المجتمع الدولي والإقليمي، حيث تمكن بحكمته الدبلوماسية من حل معضلات الحدود مع دول الجوار بالطرق السلمية والحوار الأخوي البناء مما أمن حدود اليمن وجعلها منطلقاً للتعاون والشراكة والتبادل التجاري والاستقرار في المنطقة.

 

رؤية الزعيم الاستراتيجية والالتزام بنهج الثورة والجمهورية

ولم تكن الوحدة اليمنية في نظر الرئيس علي عبدالله صالح مجرد غاية بحد ذاتها، بل كانت الوسيلة المثلى والمنطلق الأساسي لحماية النظام الجمهوري الخالد والوفاء الكامل لأهداف ثورتي السادس والعشرين من سبتمبر والرابع عشر من أكتوبر المجيدتين واللتين نصت أهدافهما بوضوح على تحقيق الوحدة الوطنية وبناء جيش وطني قوي يحمي البلاد ويصون مكتسباتها السيادية.

وقد حرص الرئيس علي عبد الله صالح طوال فترة حكمه الرشيد على ترسيخ مؤسسات الدولة الدستورية وتفعيل دور البرلمان والمجالس المحلية كأداة للتنمية المحلية والمشاركة الشعبية في صنع القرار وعزز من مكانة المرأة اليمنية ودورها في المجتمع وتقلدها للمناصب القيادية في مختلف المجالات مؤمناً بأن بناء اليمن الكبير يتطلب تضافر جهود جميع أبنائه وبناته دون إقصاء أو تهميش لأي فئة أو مكون.

وكانت خطابات وتوجيهات الرئيس علي عبدالله صالح تشكل خارطة طريق واضحة المعالم للعمل الوطني المشترك والتنمية المستدامة والذود عن حياض الوطن وأمنه واستقراره وكان يحذر دوماً من الأفكار الهدامة والمشاريع الصغيرة الضيقة التي تحاول النيل من اللحمة الوطنية أو إثارة النعرات الطائفية والمناطقية والسلالية المقيتة التي تهدف إلى تمزيق النسيج الاجتماعي اليمني المتماسك والموحد.

إن الرؤية الاستراتيجية التي امتلكها الرئيس علي عبدالله صالح جعلت من اليمن رقماً صعباً في المعادلة الإقليمية والدولية ودولة ذات سيادة وقرار مستقل لا يخضع للإملاءات الخارجية وظل متمسكاً بالثوابت الوطنية والقومية مدافعاً عن قضايا الأمة العربية والإسلامية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية العادلة مما أكسب اليمن والزعيم احتراماً كبيراً في المحافل الدولية كقائد عربي وحدوي فذ ورجل دولة من الطراز الرفيع.

الوفاء للزعيم 

وفي ظل التحديات الراهنة والظروف الاستثنائية والمعقدة التي تمر بها البلاد اليوم تبرز الحاجة الوطنية الملحة لاستلهام الدروس والعبر من حكمة ومنهج الزعيم الخالد علي عبد الله صالح في التعامل مع الأزمات وتجاوز المنعطفات الخطيرة والالتفاف الثابت حول مشروع اليمن الكبير والجمهورية اليمنية الواحدة والسيادة الوطنية التي ضحى من أجلها الزعيم الصالح بدمه الطاهر وروحه الزكية في خندق الدفاع عن الجمهورية والدستور والوحدة.

إن الوفاء الحقيقي للزعيم الشهيد علي عبد الله صالح وصانع وحدة اليمن ومؤسس نهضته لا يكون بالخطابات والشعارات فحسب بل بالتمسك الصارم بنهجه الوحدوي والجمهوري الأصيل ومواصلة السير على دربه في مقارعة الأفكار الإمامية السلالية الظلامية والمشاريع التفكيكية التدميرية والعمل بكل إخلاص وتفانٍ من أجل استعادة مؤسسات الدولة المخطوفة وتطهير العاصمة التاريخية صنعاء وكل اليمن، وإعادة الأمن والاستقرار والسكينة العامة لربوع الوطن الموحد.

ويبقى يوم الثاني والعشرين من مايو شاهداً حياً وخالداً على انتصار إرادة الزعيم الصالح لمشروع اليمن الكبير ذلك المشروع الذي سيبقى عصياً على كل المؤامرات والتحريف ومحاولات الطمس والتشويه لأن التوحد بالنسبة لليمنيين هو صمام الأمان الوحيد للبقاء والكرامة والحرية والتقدم نحو المستقبل المشرق الذي حلم به وخطط له وقاده الرئيس علي عبد الله صالح ودفعت من أجله الحركة الوطنية اليمنية أغلى التضحيات على مر التاريخ.

وستظل الأجيال اليمنية المتعاقبة تذكر بكل فخر واعتزاز وإجلال ذلك القائد التاريخي العظيم الذي رفع علم الوحدة في عدن وبنى دولة الوحدة وحماها بنبض قلبه وفكره وعرقه وقدم روحه في نهاية المطاف شهيداً مجيداً في سبيل المبادئ الوطنية السامية والجمهورية والكرامة تاركاً وراءه إرثاً وطنياً وسياسياً وتنموياً عملاقاً يستحيل تجاوزه أو نسيانه وسيظل منارة تضيء دروب النضال والحرية لكل الأحرار والشرفاء في اليمن الكبير.