الفساد والظلام.. كلفة "الوجود المبتور" للحكومة اليمنية في الداخل (تقرير)

تشهد العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات اليمنية المحررة فصلاً جديداً من فصول المعاناة الإنسانية والخدمية التي بلغت ذروتها خلال الآونة الأخيرة، بالتزامن مع استمرار الغياب الفعلي لمسؤولي الحكومة الشرعية عن أرض الواقع. 

ورغم الوعود الرنانة والتعهدات الرسمية التي رافقت تشكيل وإعلان حكومة الكفاءات الجديدة برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، والتي كان في مقدمتها العودة الفورية لممارسة كافة المهام الحكومية والوظائف السيادية من داخل التراب الوطني وبث الروح في جسد المؤسسات المشلولة، إلا أن الواقع الميداني والتقارير الراصدة تثبت حتى اللحظة أن ذلك الإعلان لم يكن سوى حبر على ورق، فالأغلبية الساحقة من الوزراء والنواب ووكلاء الوزارات والقيادات التنفيذية الرفيعة ما زالوا يفضلون الإقامة في الخارج ومقاعد العواصم الإقليمية والدولية، تاركين المواطن اليمني يواجه وحيداً أزمات معيشية طاحنة يتقدمها الانهيار التاريخي لمنظومة الخدمات الأساسية وفي مقدمتها قطاع الطاقة الكهربائية الذي يعيش أسوأ فترات انقطاعه بالتزامن مع اشتداد حرارة الصيف الحارق.

وعود متبخرة 

عندما أعلن مجلس القيادة الرئاسي عن نيل حكومة رئيس الوزراء الدكتور شائع محسن الزنداني الثقة وبدء مهامها، استبشر الشارع اليمني خيراً بالتصريحات والبيانات التي أكدت أن بوصلة المرحلة القادمة تتركز كلياً على تثبيت الأمن والاستقرار وتحسين الظروف المعيشية والعمل من داخل العاصمة المؤقتة عدن لتخفيف حجم الاحتقان الشعبي، غير أن هذه التعهدات سرعان ما اصطدمت بظاهرة التحكم عن بُعد التي تحولت إلى سلوك دائم لدى طاقم الدولة الإداري والسياسي، إذ تفيد المعطيات الميدانية والشكاوى الصادرة عن الدوائر الخدمية في عدن والمحافظات المجاورة بأن الحكومة تعيش حالة شبه كاملة من الغياب والقصور، حيث تدير الوزارات والهيئات الحكومية شؤونها اليومية عبر مكاتب فرعية وقيادات من الصف الثاني والثالث تفتقر إلى الصلاحيات المالية والإدارية الكافية لاتخاذ القرارات المصيرية والطارئة.

 هذا الوجود المبتور والشكلي لبعض القيادات الرمزية لم يسهم في حلحلة أي من الملفات المتراكمة، بل أدى لتكريس حالة الروتين والبيروقراطية وتأجيل المعالجات المستحقة حتى إشعار آخر، بانتظار عودة المسؤول الأول التي لا تأتي أبداً.

صيف عدن اللاهب وانهيار الخدمات 

تتزامن هذه الأزمة السياسية مع تدهور كارثي في الملف الخدمي بالعاصمة المؤقتة عدن وبقية المحافظات المحررة، حيث يكتوي المواطنون بنيران انقطاعات التيار الكهربائي التي تجاوزت في كثير من الأحيان إحدى عشرة ساعة متواصلة مقابل ساعات تشغيل ضئيلة للغاية لا تكفي لتخفيف المعاناة، وفي ظل الارتفاع الحاد في درجات الحرارة والرطوبة العالية التي تميز فصل الصيف في المحافظات الساحلية، تحولت المنازل إلى أفران دافئة ضاعفت من معاناة المرضى وكبار السن والأطفال، ناهيك عن التأثيرات المدمرة للشلل الكهربائي على الأنشطة التجارية والصناعية والمستشفيات العامة والخاصة. 

ويرجع هذا الانهيار المتسارع، بحسب التقارير الفنية، إلى نقص وقود الديزل والمازوت المخصص لمحطات التوليد، وتهالك البنية التحتية للمنظومة، وغياب عمليات الصيانة الدورية، وتراكم مديونيات شركات الطاقة المشتراة، وكل هذه العوامل تجتمع مع غياب الحلول الاستراتيجية التي كان يفترض بالحكومة الجديدة الإشراف على تنفيذها ميدانياً بدلاً من الاكتفاء بإصدار توجيهات بروتوكولية من خارج البلاد لا تلامس جوهر الأزمة ومسبباتها الحقيقية.

عواصم الشتات تفصل المسؤولين عن نبض الشارع اليمني

إن المعضلة الكبرى التي يواجهها مشروع استعادة الدولة وإرساء دعائمها تكمن في الفجوة النفسية والواقعية بين المواطن الذي يعيش المأساة اليومية وبين المسؤول الذي يدير الشأن العام من فنادق وشقق العواصم العربية والأجنبية، فالإقامة الطويلة للوزراء ونوابهم في الخارج أفقدتهم القدرة على استشعار نبض الشارع ومعرفة الاحتياجات الحقيقية للمجتمع. 

ويرى مراقبون ومحللون سياسيون أن بقاء الجزء الأكبر من الطاقم الحكومي بعيداً عن الوطن يبعث برسائل سلبية للمجتمع الدولي والجهات المانحة والبرامج الإعمارية حول مستوى الاستقرار والجدية في إدارة الموارد ومكافحة الفساد، فكيف يمكن إقناع المانحين بتقديم الدعم المالي والودائع النقدية لإصلاح الاقتصاد والخدمات في وقت لا يثق فيه المسؤول بنظام الدولة ومؤسساتها ليعود ويمارس وظيفته من داخلها.

هذا الغياب الدبلوماسي والإداري الطويل يشرعن بقاء الكيانات الموازية ويمنحها فرصة التمدد لملء الفراغ الإداري والسياسي الذي تتركه الشرعية خلفها في كل مرة تعد فيها بالعودة ثم تتراجع دون إبداء أسباب واضحة ومقنعة للمواطنين.

صدمة الشارع 

كان الرهان الشعبي على تشكيل حكومة الزنداني يتركز على إحداث قطيعة تامة مع ممارسات الفترات الماضية التي اتسمت بالوعود الزائفة والهروب من مواجهة التحديات في الميدان، لكن استمرار المشهد الحالي على ما هو عليه صدم الشارع وأفقد المواطن الثقة في إمكانية حدوث أي انفراجة قريبة، فالبيانات الرسمية لوزارة الكهرباء والطاقة والجهات الإيرادية لا تزال تعيد إنتاج ذات الأعذار التقليدية المتعلقة بشح الوقود، وتقلبات أسعار الصرف، وعجز الموازنة، دون تقديم خطط بديلة للإنقاذ مثل التوجه نحو الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة والنظيفة كالطاقة الشمسية أو إصلاح منظومة التحصيل وتجفيف منابع الفساد المالي والإداري الذي ينخر جسد هذا القطاع الحيوي.

إن حالة العجز هذه أثبتت للجميع أن تغيير الأسماء والحقائب الوزارية والمحاصصة السياسية لا يمكن أن تحقق فارقاً ملموساً ما لم يتغير السلوك العام للقيادة والالتزام الصارم بالتواجد الميداني لتقاسم المعاناة مع الشعب والوقوف المباشر على سير العمل في المنشآت الحيوية والمرافق الإدارية.

غياب الرقابة 

أحد أخطر الآثار المترتبة على بقاء القيادات العليا خارج اليمن هو غياب آليات الرقابة والمحاسبة المباشرة على الأجهزة التنفيذية والمشاريع الخدمية، مما يفتح الباب واسعاً أمام انتشار الفساد والتلاعب بالمال العام والمحسوبية في التعيينات والتعاقدات، وتشير مصادر رقابية إلى أن غياب الوزراء ومسؤولي الهيئات يضعف من هيبة القانون ويجعل الفساد المالي في قطاعات الوقود والطاقة المشتراة وعقود الصيانة يمر دون فحص دقيق أو محاسبة حقيقية من قبل الأجهزة المختصة كالجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة وهيئة مكافحة الفساد، هذا التحلل الإداري التدريجي ينعكس مباشرة على جودة الخدمات المقدمة للمواطن الذي بات يدفع ثمن الغياب الحكومي مرتين، الأولى بحرمانه من أبسط حقوقه في العيش الكريم والخدمات المستقرة، والثانية بتبديد الموارد الشحيحة للدولة في نفقات سفر وإقامة ومخصصات بالعملة الصعبة تذهب لصالح مسؤولين لا يقدمون أي إنتاجية حقيقية للوطن من مقار إقامتهم الخارجية.

رسالة 

إن استمرار الوضع الراهن في عدن والمحافظات المحررة لم يعد مقبولاً ولا يمكن تحمله لفترات أطول، فالاحتقان الشعبي يتزايد يوماً بعد آخر وقد ينفجر في أية لحظة على شكل احتجاجات واسعة تشل الحركة وتزيد من تعقيد المشهد السياسي والعسكري المعقد أصلاً، ويتطلب الإنقاذ الحقيقي مراجعة جادة وصادقة من قبل مجلس القيادة الرئاسي لتقييم أداء حكومة الزنداني وإلزام جميع مسؤولي الدولة دون استثناء بالعودة الفورية والدائمة إلى عدن، وإصدار قرارات حازمة بإقالة كل مسؤول يرفض العودة وممارسة مهامه من داخل البلاد وتجميد اعتماداته ومستحقاته. 

إن إرساء دعائم الدولة الحقيقية لا يمكن أن يتم عبر الفضاء الإلكتروني أو من خلال المؤتمرات الصحفية في الخارج، بل يتطلب رجالاً يوجدون في قلب المعركة الخدمية والاقتصادية، يلامسون هموم المواطنين، ويشرفون بأنفسهم على إصلاح محطات الكهرباء وتوفير المياه وضبط أسعار السلع، وإعادة الروح إلى مؤسسات القضاء والأمن، وبغير هذا الحضور الفعلي الميداني، ستبقى كافة الحكومات المتعاقبة مجرد ظلال عابرة في مشهد يمني ينزف ويبحث عن منقذ حقيقي ينتشله من واقع المعاناة والدمار.