تفجير مسجد دار الرئاسة.. من المستفيد من تمييع "جريمة القرن" في اليمن؟
شكّل تفجير مسجد دار الرئاسة في العاصمة اليمنية صنعاء، في 3 يونيو/حزيران 2011، واحدة من أخطر المحطات السياسية والأمنية في تاريخ اليمن الحديث. فقد استهدف الهجوم المسجد أثناء أداء صلاة الجمعة، ما أسفر عن استشهاد وإصابة عدد من كبار مسؤولي الدولة، بينهم الرئيس علي عبدالله صالح، الذي تعرّض لإصابات بالغة استدعت نقله إلى الخارج لتلقي العلاج.
وأثار الهجوم صدمة واسعة داخل اليمن وخارجه، نظراً لاستهدافه دار عبادة تقع داخل مجمع سيادي يُعد مركز القرار السياسي للدولة.
كما أن وجود رئيس الجمهورية وكبار المسؤولين بين المستهدفين منح الحادثة أبعاداً تتجاوز الجانب الأمني، إذ رأى كثير من المراقبين أن نجاح العملية كان من شأنه إدخال البلاد في مرحلة شديدة التعقيد قد تصل إلى فراغ دستوري ومؤسسي غير مسبوق، قد يُعد الخطوة الأولى للانقلاب على النظام.
وأعاد التفجير إلى الواجهة حجم الاستقطاب السياسي الذي كانت تشهده البلاد خلال أحداث عام 2011، في ظل تصاعد الاحتجاجات الشعبية والانقسامات السياسية والعسكرية التي وضعت مؤسسات الدولة أمام أحد أصعب اختباراتها منذ قيام الوحدة اليمنية.
ويرى القيادي في حزب الشعب الديمقراطي (حشد) ناجي بابكر أن العملية لم تكن مجرد حادث أمني عابر، بل مثلت نقطة تحول مفصلية دفعت الأزمة اليمنية نحو مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة، وأسهمت في تسريع التحولات التي شهدها المشهد السياسي لاحقاً.
خيوط قضية لم تُحسم
ورغم مرور 15 عاماً على الحادثة، لا تزال العديد من الأسئلة المرتبطة بملف التفجير محل جدل ونقاش، في ظل غياب نتائج نهائية حاسمة بشأن جميع ملابسات القضية، وهو ما أبقى الملف مفتوحاً في الذاكرة السياسية اليمنية.
وبينما كانت تشهد البلاد عصراً ذهبياً من الديمقراطية، فبالإضافة إلى الانتخابات البرلمانية والمحلية، أرسى الرئيس صالح أول انتخابات رئاسية 1999، تلتها انتخابات 2006، واستمر في الدفاع عنها حتى نقل السلطة في 25 فبراير/شباط 2012، سعت قوى دولية ويمنية إلى تغيير النظام عبر التظاهرات (الفوضى الخلَّاقة) كما وصفها الراحل د. قاسم سلام، الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي.
ولذلك، يذهب عدد من المتابعين إلى أن السؤال التقليدي في مثل هذه القضايا -"من المستفيد؟"- ظل حاضراً بقوة في النقاشات السياسية.
ويرى هؤلاء أن القوى الساعية إلى تغيير موازين السلطة كانت من أبرز المستفيدين من إضعاف النظام القائم آنذاك، في وقت كانت البلاد تشهد حراكاً سياسياً واسعاً وحرية تعبير وتنافساً محتدماً بين السلطة والمعارضة.
وبعد انتقال السلطة عام 2012، عملت الجهات المعنية بملف التحقيق في القضية على تمييعها، وتطور ذلك أكثر بعد سيطرة مليشيا الحوثي على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014.
كما أثار الإفراج الحوثي في أكتوبر 2019، عن 5 من المتهمين في القضية ضمن صفقة تبادل أسرى مشبوهة مع حزب التجمع الإصلاح في مأرب، تساؤلات سياسية وقانونية بشأن مصير الملف وإمكانية استكمال مسار العدالة ومحاسبة جميع المتورطين.
تقاطع مصالح داخلية وخارجية
وتشير بعض القراءات السياسية إلى أن تفجير مسجد دار الرئاسة وقع في لحظة كانت تشهد تداخلاً معقداً للمصالح المحلية والإقليمية والدولية، حيث كانت أطراف متعددة تنظر إلى اليمن باعتباره ساحة لإعادة ترتيب التوازنات السياسية والاستراتيجية.
وفي هذا السياق، يؤكد ناجي بابكر أن بعض القوى السياسية والدينية المعارضة آنذاك كانت ترى في إسقاط النظام القائم أقصر الطرق للوصول إلى السلطة، بعد تعثرها في تحقيق أهدافها عبر الوسائل السياسية والانتخابية.
ويضيف أن مرحلة ما بعد انتقال السلطة شهدت إعادة توزيع واسعة لمراكز النفوذ داخل مؤسسات الدولة، الأمر الذي غيّر خريطة القوى التقليدية وأعاد تشكيل موازين التأثير السياسي والعسكري في البلاد.
شركاء الفوضى الخلاقة
ويربط عدد من المحللين بين حادثة التفجير وما أعقبها من تحولات جوهرية في بنية الدولة، شملت إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وإجراء تغييرات واسعة في المناصب السيادية والإدارية.
ويرى هؤلاء أن تلك التحولات عكست صراعاً عميقاً بين شركاء الفوضى الخلَّاقة حول مستقبل الدولة اليمنية وشكل النظام السياسي، رغم مغالطات تلك القوى بأن هذا الصراع نتاج عملية انتقال سياسي فرضتها الظروف الاستثنائية التي كانت تمر بها البلاد.
كما كشفت الأزمة، وفقاً لمراقبين، عن عجز القوى السياسية المتنافسة عن إنتاج مشروع وطني جامع يستوعب مختلف المكونات السياسية والاجتماعية، الأمر الذي ساهم في تعميق الانقسامات السياسية والمناطقية والمذهبية، وفتح المجال أمام تصاعد الصراعات على النفوذ وتقاسم السلطة والثروة وفق محاصصات وأجندة.
غياب المشروع الوطني
وبعد عقد ونصف من تفجير مسجد دار الرئاسة، لا يزال اليمن يعيش تداعيات تلك المرحلة المضطربة التي شكّلت مقدمة لسلسلة من الأزمات والصراعات المتلاحقة.
ويرى خبراء أن الصراعات التي أعقبت عام 2011 أسهمت في إضعاف مؤسسات الدولة وتراجع قدرتها على أداء وظائفها الأساسية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية.
ويجمع كثير من المراقبين على أن استعادة الاستقرار تتطلب مراجعة شاملة لتجارب السنوات الماضية واستخلاص الدروس من المنعطفات الحاسمة التي مرت بها البلاد، إلى جانب العمل على بناء مشروع وطني جامع يتجاوز الانقسامات الضيقة ويعيد الاعتبار لمفهوم الدولة والمؤسسات، بما يضمن لليمنيين حقهم في الأمن والاستقرار والتنمية بعد سنوات طويلة من الصراع والتدهور الإنساني.