ذكر الله الذبابَ في كتابه… فأين آيةُ الإمامة والولاية؟
في القرآن الكريم آيةٌ عن الذباب.
نعم، الذباب. يقول الله تعالى: ﴿يا أيها الناس ضُرِب مثلٌ فاستمعوا له، إنّ الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه، ضَعُف الطالبُ والمطلوب﴾ [الحج: 73].
ذكره الله في معرض التحدّي والإعجاز، ليكشف عجز كل ما يُعبد من دونه، وليُقيم الحجّة على عظمته في أصغر خلقه. فالقرآن لا يذكر شيئا عبثا؛ كل لفظة فيه موضوعةٌ بحكمة، وكل مثلٍ مقصودٌ لغاية.
وهنا يبرز السؤال الذي يهدم قرونا من الجدل:
إذا كان القرآن قد أفرد للذباب آيةً تُتلى إلى يوم القيامة، تنبيها على عظمة الخالق وعجز ما سواه، فكيف لم يُفرد للإمامة، التي يجعلها القوم أصلا من أصول الدين لا يتحقق الإيمان إلا به، آيةً واحدةً صريحةً لا لبس فيها؟
كيف يتّسع كتابُ الله لمثلٍ في الذباب، ولا يتّسع لنصٍّ واضح في «أعظم» ما تقوم عليه عقيدتهم؟
ليس في هذا السؤال أدنى تهوينٍ من كلام الله، بل هو على النقيض تماما: إنه إعلاءٌ لإحكام القرآن وشمول بيانه. فالكتاب الذي لم يُغفل الذباب، ولا الميراث، ولا أحكام البيع والطلاق، ولا أدقّ تفاصيل الحياة، لا يُعقل أن يكون قد أغفل أصلا تتوقّف عليه النجاة يوم القيامة، لو كان أصلا حقًا.
وغيابُ النص دليلٌ على أن ما يُسمّى أصل الأصول لديهم، لم يكن يوما من الدين، وإنما أُقحم عليه إقحاما.
وهذا السؤال ليس جديدا، لكنه من أكثر الأسئلة إزعاجا للمنظومة الإمامية بكل تفرعاتها الزيدية والاثني عشرية وغيرهما:
إذا كانت الإمامة أصلا من أصول الدين، فأين نصها الصريح في القرآن الكريم؟
ليس المقصود آية محتملة الدلالة، ولا عبارة قابلة لعشرات التأويلات، ولا نصا يُنتزع من سياقه ليُحمَّل ما لا يحتمل. الحديث هنا عن آية واضحة لا لبس فيها، تخاطب المسلمين كما خاطبتهم آيات الصلاة والزكاة والصيام والحج، وتخبرهم أن الإمامة ركن من أركان الدين، وأن الإيمان لا يكتمل إلا بها.
والأمر يزداد غرابة عندما نتذكر أن القرآن الكريم لم يترك صغيرة ولا كبيرة تتعلق بأصول الدين إلا وبيّنها بوضوح. تحدث عن التوحيد، وعن النبوة، وعن اليوم الآخر، وعن الصلاة والزكاة والصيام والحج، وعن المواريث والطلاق والبيع والشراء والجهاد، وفصّل في كثير من الأحكام التي هي دون الإمامة أهمية بحسب التصور الشيعي.
فكيف يغيب عن القرآن أصلٌ يزعم أصحابه أن النجاة في الدنيا وفي يوم القيامة متوقفة عليه، وهو مرد قبول الأعمال كما تذكر نصوص الزيدية وغيرها؟
كيف يُفصِّل القرآن أحكام الميراث في آيات طويلة، ثم لا يذكر صراحة من يحق له قيادة الأمة بعد النبي إذا كانت هذه القضية هي محور الدين وأساسه؟
هذا الغياب هو المشكلة الكبرى التي واجهت منظّري الإمامة منذ اللحظة الأولى.
ولهذا لم يجدوا أمامهم سوى طريقين:
الأول: تأويل آيات القرآن تأويلا متعسفا، وتحويل النصوص العامة إلى أدلة على الإمامة رغم أن ألفاظها لا تدل عليها مطلقا.
والثاني: بناء العقيدة على روايات متنازع عليها، وأحاديث مختلف في صحتها ودلالتها، بل إن جزءا كبيرا منها طعن فيه علماء الحديث، وعدّوا الأغلب منه من الموضوعات والأخبار الواهية.
ولهذا السبب تمتلئ كتب الإمامة بمئات الصفحات من الشروح والجدل والتأويلات ومحاولات الربط بين نصوص متفرقة لإثبات قضية يفترض أنها من أعظم قضايا الدين.
والسؤال المهم: هل يحتاج أصل من أصول العقيدة إلى كل هذا العناء لإثباته؟
إن الحقائق الكبرى في الإسلام جاءت واضحة ومباشرة. لم يحتج المسلمون إلى اكتشاف التوحيد عبر ألغاز لغوية، ولم يحتج أحد إلى تأويل عشرات الآيات لمعرفة وجوب الصلاة أو الصيام. فالنصوص واضحة لأن الله أراد للناس أن يفهموها بوضوح.
أما العقائد التي لا تقوم إلا على التأويل المتكلف، والربط القسري بين النصوص، والاستناد إلى روايات مختلف مختلقة، فهي عقائد تثير أسئلة أكثر مما تقدم أجوبة.
إن أخطر ما في عقيدة الإمامة، زيدية واثنا عشرية، أنها لم تستطع أن تقدم للمسلمين نصا قرآنيا واحدا صريحا يوازي حجم الادعاء الذي تبنيه. فكلما كانت الدعوى أكبر، كانت الحاجة إلى الدليل أوضح. وعندما تتحول العقيدة إلى بناء ضخم يقوم على نصوص محتملة وروايات متنازع عليها، فإن انتفاء أصل الفكرة يصبح أمرا مفروغا منه.
ولهذا فإن هذا السؤال سيبقى قائما مهما كثرت المؤلفات وتعددت الشروح:
إذا كانت الإمامة أصلا من أصول الدين، فلماذا لم يقلها القرآن بوضوح؟
ولماذا احتاجت هذه العقيدة طوال تاريخها إلى التأويل أكثر من احتياجها إلى النص؟
إن غياب الدليل القرآني الصريح ليس مجرد ثغرة في البناء الإمامي، بل هو الشق الذي يكشف طبيعة البناء كله، ويفتح الباب لإعادة النظر في الأسس التي قامت عليها واحدة من أكثر الأفكار تدميرا وإثارة للجدل في تاريخ المسلمين.