حلبة الكبار فوق رمال اليمن.. كيف تقرأ واشنطن وموسكو وبكين الحرب في اليمن؟

مع دخول معركة "فجر اليمن" شهرها الخامس، وتصاعد حدة المواجهات الميدانية بين القوات الحكومية المعترف بها دولياً ومليشيا الحوثي، لم يعد المشهد اليمني مجرد نزاع محلي أو حتى إقليمي محصور. 

وبلا شك أن كثافة العمليات العسكرية التي تشهدها محاور لحج، وتعز، والجوف، بالتوازي مع التدخل المباشر من الحرس الثوري الإيراني، نقلت الملف اليمني إلى طاولة الحسابات الجيوسياسية المعقدة للقوى الكبرى.

 وتتحرك عواصم القرار الدولي (واشنطن، وموسكو، وبكين) تجاه هذا التصعيد بناءً على مصالح استراتيجية متباينة، تحول فيها اليمن إلى ساحة لتصفية الحسابات ورسم موازين القوى الدولية.

الولايات المتحدة.. معضلة حماية الملاحة واختبار منظومة الردع

تتصدر واشنطن المشهد الدولي بموقف هو الأكثر حزماً تجاه التصعيد الحوثي المدعوم من طهران، حيث وبحسب خبراء تنطلق المقاربة الأمريكية من ثلاثة مرتكزات رئيسية: سلامة خطوط الملاحة البحرية في البحر الأحمر وباب المندب، وأمن الطاقة العالمي، وحماية حلفائها الإقليميين.

وتجد الإدارة الأمريكية في هذا التصعيد اختباراً مباشراً لمنظومة الردع الخاصة بها في المنطقة، وبحسب سياسيين فإن الإدارة الأمريكية سارعت إلى تقديم دعم سياسي ودبلوماسي لافت للحكومة الشرعية في عملياتها الأخيرة الهادفة إلى تأمين الساحل الغربي وجبهات لحج وطور الباحة. 

وترى واشنطن أن التغلغل الإيراني المباشر وإدارة الخبراء الأجانب للمعارك يمثل تهديداً بإنشاء منصة استهداف دائمة للممرات المائية، مما يدفعها للضغط في مجلس الأمن لتشديد العقوبات الدولية، وتكثيف التنسيق الاستخباراتي واللوجستي لمحاصرة خطوط تهريب الأسلحة الإيرانية.

روسيا.. الاستثمار في الاستنزاف وموازنة النفوذ الغربي

على المقلب الآخر، تتبنى موسكو استراتيجية تتسم بالبراغماتية الحذرة، حيث تنظر إلى الاشتعال العسكري في اليمن كفرصة مواتية لاستنزاف الجهود السياسية والعسكرية للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، وصرف الأنظار والجهود عن ملفات صراع دولية أخرى.

وعلى الرغم من أن روسيا تحافظ علناً على قنوات اتصال دافئة مع الحكومة الشرعية اليمنية وتؤكد التزامها الظاهري بالقرارات الأممية، إلا أنها ترفض بوضوح أي تحركات دولية أحادية الجانب قد تؤدي إلى إقصاء كامل لمليشيا الحوثي. 

وتسعى موسكو، مستفيدة من تحالفها الاستراتيجي مع طهران، إلى لعب دور الموازن للنفوذ الغربي؛ فهي تصر على أن الحل في اليمن يجب أن يمر عبر تسوية سياسية شاملة تضمن لروسيا مقعداً رئيسياً كلاعب ومروّج للسلام في المنطقة، مستغلة الملف اليمني كأوراق ضغط ومساومة في كواليس مجلس الأمن.

الصين.. أمن الحزام والطريق في عين العاصفة الحوثية

تتميز المقاربة الصينية للتصعيد في اليمن بالطابع الاقتصادي الصرف، حيث يقع مضيق باب المندب والبحر الأحمر في قلب استراتيجية بكين العالمية الحزام والطريق، كونه الشريان الأساسي لتدفق الصادرات الصينية الضخمة نحو الأسواق الأوروبية والإفريقية. وبالتالي، فإن استمرار المعارك العنيفة وتهديد السفن يمس بصورة مباشرة أمن بكين القومي والاقتصادي.

وتلعب الصين دور الوسيط الهادئ؛ فهي من جهة تدعم بشكل مستمر وحدة اليمن واستقرار مؤسساته الشرعية لضمان بقاء المنافذ البحرية آمنة ومفتوحة، ومن جهة أخرى تتجنب الدخول في أي مواجهة سياسية أو عسكرية علنية مع إيران، التي تمثل شريكاً تجارياً ومورداً حيوياً للطاقة بالنسبة لبكين.

وتفضل الدبلوماسية الصينية الحلول السياسية السلمية وتدعم عقد مؤتمرات دولية برعاية أممية، هادفة إلى تأمين الملاحة دون الحاجة إلى عسكرة غربية واسعة النطاق في البحر الأحمر، والتي تنظر إليها بكين بريبة وتوجس.

مستقبل الصراع.. اليمن كرهينة للتوافقات الدولية الغائبة

يُظهر هذا التباين في مواقف القوى الكبرى أن معركة اليمن لم تعد تُدار فقط في جبال الجوف أو تعز وشواطئ الساحل الغربي، بل باتت مرتبطة بشكل وثيق بمدى التوافق أو الصدام الدولي. 

وفي ظل غياب رؤية موحدة بين واشنطن وموسكو وبكين، يبدو أن التصعيد العسكري سيستمر في كونه الخيار الحاسم على الأرض، حيث يحاول كل طرف دولي وإقليمي تحسين موقعه على الرقعة اليمنية، مما يجعل، وبحسب سياسيين وخبراء عسكريين، الحسم العسكري لعملية "فجر اليمن" أو التوصل إلى تسوية سياسية مرهونين بالتقاطعات الجيوسياسية المعقدة بين عواصم القرار العالمي.