مدرسة ومستشفى وطريق: كيف تُحاصَر تعز من داخل حياتها اليومية
في تعز، لا يبدأ الحصار من الطرق المقفلة أو الحواجز المنتشرة على مداخل المدينة، بل يبدأ من صباحٍ عادي يفتقد فيه الطفل مقعده في المدرسة، ومن مرضى ينتظرون دواءً قد لا يصل، ومن أم تحمل جالون ماء على ظهرها بحثاً عن قطرة تشبه الحياة.
هنا، لا تُقاس المعاناة بالأرقام وحدها، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تتحول إلى جدران؛ صوت مولّد يخفت في مستشفى، صنبور جاف في بيت، طريق مغلق أمام شاحنة تحمل الغذاء، وسيارة إسعاف تبحث عن وقود لتصل إلى مريض.
هكذا تُحاصَر تعز من الداخل، لا من الخارج فقط؛ فالمدرسة تفقد طلابها، والمستشفى يفقد قدرته على العلاج، والطريق يفقد دوره كشريان للحياة.
وبينما تستمر المعركة على الأطراف، تتحول المدينة إلى ساحة صامتة تُدار فيها الحياة بالحصص والانتظار والخوف.
فالطفل الذي كان يذهب إلى مدرسته صباحاً، يصبح اليوم ضحية لمعركة لا يفهم حدودها؛ والمريض الذي كان ينتظر دواءه، يصبح ضحية لسلسلة من القيود لا تنتهي؛ والأسرة التي كانت تبحث عن ماء أو طعام، تجد نفسها أمام خيار مؤلم: البقاء والصبر، أو الرحيل والنزوح.
إن قصة تعز ليست قصة مدينة محاصرة فقط، بل قصة مجتمع يحاول كل يوم أن يبقى إنسانياً رغم الحصار.
فبين جدران المدارس المحوّلة إلى مواقع عسكرية، على مداخل المدينة من قبل مليشيا الحوثي وأروقة المستشفيات التي تفتقد الوقود والدواء، والطرق التي تُغلق أمام الإمدادات، تُروى حكاية مدينة تقاوم بالصمت، وتصمد بالأمل، وتنتظر أن يُفتح الطريق الذي يفصلها عن الحياة.
المدرسة التي فقدت صوت الأطفال
في تعز، لم يعد الحصار مجرد إغلاق للطرق أو منع لقوافل الإمداد؛ بل تحوّل إلى ضغط يومي يمس كل تفصيل في حياة السكان. فالطفل الذي يبحث عن مقعد في مدرسته، والمريض الذي ينتظر دواءً أو وقوداً لتشغيل مولّد المستشفى، والأسرة التي تتنقل بين نقاط التفتيش بحثاً عن مياه شرب، يجدون أنفسهم أمام شبكة واحدة من القيود التي تحاصر المدينة من الداخل.
وثّقت تقارير حقوقية أن مليشيا الحوثي حوّلت خمس مدارس في محافظة تعز إلى غرف عمليات عسكرية ومستودعات أسلحة وسجون، فيما وصل عدد المواقع والحواجز العسكرية إلى 26 نقطة تقطع الطريق الرئيسي المؤدي إلى لحج وعدن. وبذلك لم يعد التعليم مسألة تعليمية فحسب، بل أصبح جزءاً من معركة البقاء التي تخوضها المدينة.
ويكشف تقرير مركز تعز الحقوقي عن تضرر 119 مرفقاً تعليمياً، بينها جامعة التربة والمعهد الصحي، إلى جانب 190 مسجداً و131 مرفقاً صحياً.
هذه الأرقام لا تصف دماراً عابراً، بل تروي قصة مدينة تفقد تدريجياً أدواتها الأساسية للتعليم والعلاج والحياة العامة.
المستشفى الذي يبحث عن وقود
في المستشفيات، تتحول أزمة الوقود إلى أزمة حياة أو موت. فالمولدات التي كانت تعمل لساعات محدودة أصبحت مصدر القلق الأول للأطباء والممرضين، خصوصاً في أقسام العناية المركزة وحضانات الأطفال وغرف العمليات.
وحين ينقطع الوقود، لا يتوقف جهاز فقط؛ بل قد يتوقف نبض طفل أو امرأة حامل أو مصاب بحاجة إلى إسعاف عاجل.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى نقص حاد في الإمدادات لدى 42 منشأة صحية في تعز، فيما يواجه 12 مستشفى ومركزاً صحياً خطر توقف خدماتها أو تقليصها بسبب نقص الأدوية والأكسجين والوقود.
كما أفاد تقرير مكتب الصحة في المحافظة بأن نحو 246 ألفاً و711 شخصاً فقدوا إمكانية الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية، بينهم أكثر من 186 ألف طفل دون الخامسة ونحو 23 ألف امرأة حامل.
هنا يظهر الوجه الأكثر خطورة للحصار؛ فهو لا يقتصر على منع وصول الغذاء، بل يمتد إلى منع وصول الأدوية والأكسجين والوقود والمياه، أي إلى كل ما يجعل المستشفى قادراً على إنقاذ الأرواح. وقد حذرت «هيومن رايتس ووتش» من أن الحصار قد يرقى إلى جريمة حرب باستخدام التجويع سلاحاً، بعد قطع آخر طريق رئيس للإمداد والهجوم عليه.
الطريق الذي قرر مصير المدينة
طريق هيجة العبد لم يكن مجرد شريان مواصلات؛ بل كان نقطة الدخول الرئيسة للغذاء والدواء والوقود إلى سكان تعز، الذين يعيشون تحت حصار منذ عام 2015.
ومع تصعيد أكتوبر 2026، تحول الطريق إلى ساحة مواجهة، ثم إلى جسر مقطوع يفصل المدينة عن مصادر إمدادها الأساسية.
وقد أدى ذلك إلى انقطاع المواد الغذائية والوقود والإمدادات الدوائية والطبية، في وقت تستمر فيه العمليات الاجرامية للمليشيا في استهداف أطراف المدينة وقلبها. وبذلك لم يعد الطريق مجرد مسار للشاحنات، بل أصبح خط الفصل بين حياة طبيعية نسبياً وأزمة إنسانية تتسع يوماً بعد يوم.
الأثر لا يتوقف عند الأسواق الفارغة أو أسعار الوقود المرتفعة، بل يمتد إلى المدارس التي تفتقد الطلاب، والمستشفيات التي تفتقد الإمدادات، والأسر التي تضطر إلى الاختيار بين شراء دواء أو طعام أو ماء.
فالحصار، بهذا المعنى، لا يضرب المدينة من الخارج فقط، بل يدخل إلى مطبخها وصيدليتها ومدرستها ومستشفياها.
الماء الذي صار سلعة نادرة
ربما يكون الماء أكثر ما يكشف عمق الأزمة في تعز. فانخفاض إنتاج المياه إلى نحو النصف، مع تضاعف تكلفة المياه المنقولة بالشاحنات ثلاث مرات تقريباً، يعني أن الأسرة الفقيرة أصبحت مضطرة إلى دفع ثمن بقائها اليومي.
وفي مدينة تعاني أصلاً من نقص حاد في مياه الشرب، يتحول الحصار إلى كارثة صحية وبيئية محتملة. فنقص المياه لا يهدد الشرب فقط، بل يفتح الباب أمام انتشار الأمراض المنقولة بالمياه، ويزيد الضغط على مستشفيات تعاني أصلاً من نقص الوقود والأدوية.
وقد وصف مسؤول محلي الوضع بأنه كارثة تهدد أكثر من 1.3 مليون نسمة بالمجاعة ونقص حاد في مياه الشرب وانهيار الخدمات الأساسية.
النزوح.. الوجه الآخر للحصار الحوثي
لا تنتهي آثار الحصار عند حدود المدينة، بل تدفع آلاف الأسر إلى النزوح بحثاً عن الأمان والغذاء والعلاج.
فقد وثقت منظمة حقوقية نزوح أكثر من 271 ألف شخص، يمثلون نحو 45 ألف أسرة، خلال الفترة من 6 أغسطس إلى 25 أكتوبر 2026، وسط تصعيد عسكري وتدهور في الأوضاع الأمنية والإنسانية.
ومع ذلك، فإن النزوح لا يحل المشكلة، بل ينقلها إلى مكان آخر. فالأسرة التي تغادر بيتها قد تجد نفسها أمام نقص في المأوى والغذاء والرعاية الصحية، فيما يبقى الأطفال والمرضى وكبار السن أكثر الفئات تضرراً.
وهكذا يتحول الحصار إلى سلسلة من الآلام المتراكمة؛ انقطاع إمداد، ثم نقص خدمة، ثم نزوح، ثم معاناة جديدة في مكان آخر.
سؤال المسؤولية..
ما يحدث في تعز اليوم ليس أزمة إنسانية عادية، بل نظام عقاب جماعي يستهدف المدنيين عبر حرمانهم من الغذاء والدواء والماء والوقود والتعليم.
فالمدرسة التي تتحول إلى مستودع أسلحة، والمستشفى الذي يفقد قدرته على العمل، والطريق الذي يُغلق أمام الشاحنات والإسعافات، كلها أجزاء من منظومة واحدة تضغط على حياة المدنيين وتجعل من البقاء اليومي معركة يومية.
وبينما تستمر الأزمة، يبقى السؤال مفتوحاً: كم يوماً إضافياً يمكن أن تتحمل تعز قبل أن يتحول الحصار إلى كارثة إنسانية لا رجعة فيها؟
والإجابة لا تُقاس بعدد الشاحنات أو أسعار الوقود، بل بعدد الأطفال الذين يفقدون مقاعد الدراسة، والمرضى الذين يفقدون فرصة العلاج، والأسر التي تفقد القدرة على البقاء في بيوتهم.