مأرب.. "قبضة إخوانية" تخنق الحريات وتشرعن القمع تحت لافتة الاستقرار (تقرير)

تتصاعد الانتقادات في محافظة مأرب الغنية بالنفط، الخاضعة لسلطة الحكومة المعترف بها دولياً، ضد ممارسات قيادات في حزب التجمع اليمني للإصلاح التي تُحكم قبضتها العسكرية والأمنية على سلطة المحافظة، وتستغل ذلك النفوذ العسكري والإداري لإدراج آلاف الأسماء الوهمية في كشوف الجيش، إضافة إلى قمع الأصوات المنتقدة للفساد وتنفيذ اعتقالات تعسفية.

قال ناشطون محليون، إن قيادات في الحزب، الذي يسيطر على مكونات السلطة في مأرب، تمارس "هيمنة مزدوجة" على القرارين الأمني والمدني، ما يحدّ من مساحة الحريات ومكافحة الفساد ويقوض مبدأ الفصل بين السلطات.

وأشاروا في حديث مع وكالة خبر، إلى تزايد حالات الاحتجاز دون أوامر قضائية، واستدعاءات أمنية تستهدف صحفيين ومدونين ومسؤولين محليين عبّروا عن انتقاداتهم للأداء الإداري أو ملفات الفساد.

توسيع دائرة النفوذ الحزبي

وبحسب شهادات متطابقة حصلت عليها مصادر حقوقية، فإن بعض الأجهزة الأمنية في المحافظة تُدار من قبل قيادات حزبية، ما يخلق بيئة "خارج إطار المساءلة"، حيث يتم توظيف أدوات الدولة لملاحقة الخصوم أو إسكات المنتقدين.

وأكد الناشطون أن الاعتقالات لا تقتصر على الأفراد، بل تمتد أحياناً إلى حملات تضييق أوسع تطول حسابات ومنصات إعلامية لمناوئين يكشفون فساد مسؤولين حكوميين ينتمون الى الحزب، بالإضافة إلى التضييق على التجار، فضلاً عن فرض قيود غير معلنة على تنظيم الفعاليات العامة. 

ويقول أحد النشطاء، طالباً عدم نشر اسمه لأسباب أمنية، إن "أي انتقاد علني قد يُفسر كتهديد سياسي، ما يعرّض صاحبه للمساءلة أو الاحتجاز، وهو ما أجبر عشرات الصحفيين والناشطين على مغادرة مأرب".

وبينما ينفي مسؤولون محليون وجود ممارسات ممنهجة لانتهاك الحقوق، مؤكدين أن الإجراءات الأمنية "تأتي في إطار الحفاظ على الاستقرار" في محافظة تُعد ملاذاً لآلاف النازحين ومركزاً حيوياً للعمليات العسكرية ضد مليشيا الحوثي، أشار الناشطون إلى أن هذه المبررات تُستخدم لتبرير تقييد الحريات وتوسيع دائرة النفوذ الحزبي داخل مؤسسات الدولة.

انتهاكات سجن الأمن السياسي 

يقول الناشط مانع سليمان، الذي غادر مأرب في يوليو 2025 بعد احتجازه لأكثر من عام على خلفية قضايا وصفها بـ"الكيدية" المرتبطة بآرائه المنشورة على فيسبوك، إنه تعرّض للتعذيب أثناء احتجازه في سجن الأمن السياسي، مشيراً إلى تعرضه لتهديدات وإهانات خلال التحقيق، وفق ما أورده في تدوينة نشرها قبل أسابيع.

وأضاف: "كنت معصوب العينين داخل سجن الأمن السياسي، وحولي بن عبود وفضل الهيج وعبدالوهاب السنعاني وصلاح السروري، يمارسون التعذيب بحقي، فقلت لهم: أوقفوا ملاحقة حركة الأقيال"، مؤكداً أنهم ردوا بالقول: "سندوس على كل يمني يرفع رأسه وسوف تخرج مطأطئاً رأسك".

وبعد مغادرته مأرب، واصل سليمان نشر شهادات حول أوضاع السجناء، متحدثاً عن انتهاكات وحملات تضييق تطول منتسبي الجيش. 

وذكر في تدوينة حديثة أن حملة اعتقالات نُفذت في منطقة الجفينة بحق عدد من الجنود على خلفية اعتراضهم على فرض مبالغ مالية مقابل الحصول على المياه، رغم تأكيده أن هذه الخدمة مقدمة من منظمة إنسانية، بحسب ما ورد في منشوراته.

حملات تشويه وتكفير

فيما نشر الناشط عبدالله بن يوسف السعيدي تدوينة على فيسبوك انتقد فيها بشدة حزب التجمع اليمني للإصلاح، قائلاً إنه تعرّض لمضايقات وحملات تشويه وتكفير عقب توجيهه انتقادات وصفها بـ"البنّاءة" قبل أشهر.

واتهم السعيدي قيادات وقوى داخل الحزب بممارسة الإقصاء والتحريض ضده، معتبراً أن هذه الممارسات تكشف، بحسب تعبيره، عن دور سلبي في إضعاف الجبهة المناهضة للحوثيين.

كما ذهب إلى اتهام الحزب بالمساهمة في تمكين خصومه بشكل غير مباشر، عبر سياسات وتحركات يرى أنها أضرت بالمعركة الوطنية، وفق ما ورد في تدوينته.

أسماء وهمية في كشوف الجيش

وأضاف ناشطون ومصادر عسكرية، أن من بين أبرز مظاهر الفساد التي تتكرر الشكوى منها، ما يتعلق بإدراج أسماء وهمية في كشوف منتسبي "الجيش الوطني"، مؤكدين أن هذه الأسماء تُسجَّل لصالح قيادات وقوى نافذة مرتبطة بحزب الإصلاح، وتجني من ورائها سنوياً مئات ملايين الريالات السعودي.

وبحسب تلك المصادر، يتم صرف مرتبات شهرية وتغذية وملابس ونفقات أخرى لهذه الأسماء غير الموجودة فعلياً على الأرض، في حين يُحرم مقاتلون حقيقيون من مستحقاتهم أو يتلقون جزءاً منها وبشكل متقطع.

وقال عدد من جرحى الجيش، إن هذه الممارسات لا تقتصر آثارها على الهدر المالي فحسب، بل تمتد لتطول الجرحى وأسر الشهداء في جبهات مأرب، الذين يُحرم كثير منهم من الرعاية والحقوق المستحقة، نتيجة استنزاف الموارد عبر تلك الكشوف الوهمية، وفق تلك الشهادات. 

وأشاروا إلى أن غياب الشفافية في إدارة الموارد العسكرية ساهم في مصادرة حقوق الفئات الأكثر تضرراً من الحرب.

صعوبة مساءلة المتورطين

وترى مصادر عسكرية أن هذه الاختلالات حوّلت المؤسسة العسكرية من كيان يفترض أن يكون مكرساً لمواجهة مليشيا الحوثي والتقدم نحو  العاصمة المختطفة صنعاء، إلى مصدر إثراء لبعض مراكز النفوذ، على حساب الكفاءة والجاهزية القتالية. 

وأضافت المصادر، أن استمرار هذا النمط من الفساد الإداري والمالي لا ينعكس فقط على الأداء العسكري، بل يسهم أيضاً في إضعاف الثقة الشعبية بالمؤسسات المرتبطة بالحكومة، مطالبة بفتح تحقيق موسّع مع جميع القيادات العسكرية المتورطة في ذلك منذ تأسيس هذه التشكيلات العسكرية في 2015 وحتى اللحظة.

وأشارت تقارير حقوقية إلى أن غياب الرقابة الفعالة وضعف استقلالية القضاء في مأرب يزيدان من صعوبة مساءلة المتورطين في الانتهاكات المزعومة، في وقت تتفاقم فيه المخاوف من ترسيخ نمط حكم يعتمد على الولاءات الحزبية بدلاً من مؤسسات الدولة.

وحذّر عسكريون من أن استمرار هذه الممارسات قد يفاقم حالة الاحتقان الداخلي، ويقوّض ثقة السكان المحليين بالسلطات، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية والاقتصادية المعقدة التي تمر بها البلاد.

كما أن استمرار الفساد الإخواني هو الفعل الأبرز في تقويض عملية التقدم نحو العاصمة صنعاء واستكمال استعادة مؤسسات الدولة من قبضة مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة إيرانياً، ما يحتم فتح تحقيق شامل مع جميع المتهمين ومعاقبتهم وفقاً للقانون والدستور النافذ في البلاد، ومصارحة الشعب بأسباب فشل التقدم نحو صنعاء لأكثر من عقد، فضلاً عن سقوط عشرات المواقع وعدد من المديريات التابعة لمأرب بيد المليشيا.