الشرق الأوسط في المنعطف الأخطر.. لغة الحديد والنار تبدد تفاهمات السلام وتفتح جبهات المواجهة الكبرى
تشهد منطقة الشرق الأوسط منعطفاً هو الأخطر في تاريخها الحديث، بعد أن تهاوت التفاهمات السياسية الهشة وعادت لغة الحديد والنار لتتصدر المشهد بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
فلم تكد تمضي أسابيع قليلة على توقيع مذكرة التفاهم برعاية دولية في سويسرا لإنهاء صراع دموي تفجر مطلع عام 2026، حتى عادت جبهات القتال لتشتعل بصورة أكثر ضراوة؛ مهددة بإدخال الإقليم والعالم في أتون حرب استنزاف شاملة لا يمكن التنبؤ بنهايتها.
جاء هذا التدهور المتسارع ليؤكد صواب رؤية المحللين الاستراتيجيين الذين وصفوا التهدئة بأنها استراحة محارب، حيث يرفض كلا الطرفين تقديم تنازلات جوهرية تمس خطوطه الحمراء، سواء ما يتعلق بالملف النووي، أو النفوذ الإقليمي، أو أمن الممرات المائية الحيوية التي تمثل شريان الاقتصاد العالمي.
فتيل مضيق هرمز
بدأت شرارة التصعيد الأخير في الممر المائي الأهم عالمياً لنقل الطاقة؛ مضيق هرمز. ففي خطوة عكست إصرار طهران على فرض سيادتها البحرية كاملاً، تعرضت سفينة شحن تجارية كانت تعبر المضيق لضربة مباشرة بمقذوف أصاب جانبها الأيمن وألحق أضراراً بالغة بقمرة قيادتها.
جاء هذا الاستهداف بعد ساعات قليلة من تحذيرات أطلقها الحرس الثوري الإيراني، أكد فيها أن السفن التجارية لن تمنح حق المرور الآمن في المضيق إلا عبر المسارات البحرية التي تحددها وتعلنها السلطات الإيرانية. وقالت طهران إن فرض الرسوم والتحكم في حركة العبور حق سيادي لا غنى عنه، متحدية بذلك الإعلانات المتكررة لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي شددت على أن الاتفاق الأخير يضمن حرية الملاحة البحرية بالمجان ودون قيد أو شرط لجميع دول العالم.
أثار هذا الهجوم قلقاً بالغاً لدى الدوائر الاقتصادية والعسكرية العالمية، حيث سارعت المنظمة البحرية الدولية إلى تعليق كافة خططها الرامية لإجلاء السفن العالقة في المنطقة، نتيجة لبروز مخاطر أمنية داهمة، مما أنذر بعودة أسعار النفط إلى مستويات قياسية بعد أن كانت قد بدأت بالاستقرار التدريجي عقب توقيع الهدنة.
"سنتكوم" تتحرك
لم يتأخر الرد العسكري الأمريكي كثيراً؛ إذ أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) عن إطلاق عملية جوية واسعة ومركزة ضد أهداف عسكرية نوعية في العمق الإيراني.
وجاء في البيان الرسمي الصادر عن سنتكوم أن القوات الأمريكية شنت ضربات قوية استهدفت بشكل مباشر مواقع لتخزين الصواريخ الباليستية، ومستودعات الطائرات المسيرة (الدرونز)، بالإضافة إلى شبكات محطات الرادار الساحلية التابعة للحرس الثوري الإيراني على الساحل الجنوبي للبلاد.
وصفت واشنطن السلوك العسكري الإيراني الأخير بأنه عدوان غير مبرر وانتهاك صارخ وفاضح لبنود وقف إطلاق النار ومذكرة التفاهم الموقعة بين الطرفين.
وأكد الجيش الأمريكي في بياناته أنه لن يقف مكتوف الأيدي أمام أي محاولة لتقويض حرية الملاحة الدولية، وأن توافقه على التهدئة لم يكن يعني التخلي عن الجهوزية العسكرية أو التراخي في حماية التجارة العالمية، مشدداً على أن قواته ستبقى يقظة لفرض الالتزام الكامل بالاتفاقات.
الرد والوعيد الإيراني
في المقابل، لم تقف طهران صامتة أمام الغارات الأمريكية؛ إذ سارعت وزارة الخارجية الإيرانية إلى إصدار بيان شديد اللهجة أعلنت فيه أن القوات المسلحة الإيرانية قصف أهدافاً ومنشآت مرتبطة بالقوات الأمريكية في المنطقة رداً على ما وصفته بالعدوان السافر.
واعتبرت طهران أن الضربات الجوية الأمريكية على ساحلها الجنوبي تمثل انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة وخرقاً فاضحاً لمذكرة إنهاء الحرب.
تزامن البيان الإيراني مع تقارير ميدانية أفادت بوقوع هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ طالت منشآت وقواعد عسكرية في عدة دول خليجية ومجاورة تستضيف قوات أمريكية. وتوعد القادة العسكريون في طهران برفع وتيرة الرد واستهداف المصالح الأمريكية بشكل غير مسبوق في حال تكررت الغارات، معتبرين أن سياسة التصعيد مقابل التصعيد هي الاستراتيجية الوحيدة القادرة على كبح جماح الإدارة الأمريكية وإجبارها على رفع الحصار الشامل عن الموانئ الإيرانية.
العقدة اللبنانية
لا يمكن قراءة المشهد الحالي بمعزل عن الساحة اللبنانية، التي تحولت إلى واحدة من أعقد العقبات أمام صمود أي تهدئة بين واشنطن وطهران. فوفقاً لمصادر دبلوماسية، نصت مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية على ضرورة التوصل إلى تهدئة شاملة تشمل الجبهة اللبنانية، إلا أن الاتفاق الإطاري الذي رعته واشنطن بين تل أبيب وبيروت الرسمية اصطدم بجدار الرفض القاطع من قِبل حزب الله.
أعلن الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، في بيان رسمي، أن الاتفاق الإطاري يعد سقطة مريعة وتنازلاً غير مقبول عن السيادة الوطنية، واصفاً إياه باتفاق الاستسلام والذل لأنه يشترط نزع سلاح الحزب من عموم الأراضي اللبنانية مقابل انسحاب الجيش الإسرائيلي.
هذا الرفض الميداني ترجمه الحزب فوراً عبر استئناف عمليات القصف الصاروخي باتجاه شمال إسرائيل، رداً على الغارات العنيفة التي شنها الطيران الإسرائيلي على ضاحية بيروت الجنوبية ومناطق في النبطية.
هذا الترابط العضوي بين جبهة طهران وجبهة بيروت أثبت فشل المحاولات الأمريكية لفصل المسارات، حيث تعتبر إيران أن أي مساس بـحزب الله أو محاولة لفرض نزع سلاحه يمثل إخلالاً مباشراً بالتفاهمات الكبرى، وهو ما دفعها مسبقاً لتوجيه ضربات صاروخية نحو إسرائيل تضامناً مع حلفائها في لبنان.
كواليس واشنطن
على الجانب الآخر من المحيط، يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطاً سياسية واقتصادية هائلة في العاصمة واشنطن. فبالرغم من ميله المعلن لإبرام صفقات تنهي الحروب المكلفة اقتصادياً وبشرياً، إلا أن انتهاك إيران الأخير للملاحة البحرية وضعه في موقف حرج أمام أقطاب الحزب الجمهوري والكونغرس.
تشهد أروقة الكونغرس نقاشات حامية ومعارك تشريعية حول تمويل تكاليف هذه الحرب الإقليمية التي تُقدر مليارات الدولارات، ولم تكن مدرجة في الميزانيات الدفاعية السابقة.
وبدأت إدارة ترامب بمطالبة المشرعين بتمويلات إضافية عاجلة، وسط انقسامات حادة داخل الحزب الديمقراطي المعارض الذي يسعى بعض نوابه لفرض قيود على المساعدات العسكرية المقدمة لإسرائيل للحد من اتساع رقعة الصراع.
وفي محاولة منه للسيطرة على المشهد، وجه ترامب تحذيرات علنية حادة للجانب الإسرائيلي بضرورة ضبط النفس وعدم الانجرار وراء رغبة بعض القادة في تل أبيب لتوسيع رقعة الحرب البرية في لبنان، وهي الخطوة التي اعتبرها نائب الرئيس، جيه دي فانس، خطراً حقيقياً قد يطيح بكل الجهود الدبلوماسية ويجبر واشنطن على الدخول في مستنقع حرب استنزاف طويلة الأمد لا ترغب بها.
حرب الاستنزاف والتحولات الإقليمية
يرى العديد من المحللين العسكريين أن الصراع الحالي بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد متمحوراً حول القدرة على تحقيق تفوق ميداني كاسح، بقدر ما بات يتعلق بـقدرة التحمل وحرب النفس الطويل.
تمتلك الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل تفوقاً تكنولوجياً وجوياً هائلاً يتمثل في القدرة على توجيه ضربات دقيقة وقاتلة للبنية التحتية العسكرية والنووية الإيرانية.
ومع ذلك، فإن إيران طورت على مدار عقود عقيدة الحرب غير المتناظرة القائمة على شبكات الصواريخ الباليستية، والمسيرات الانتحارية، وحلفاء محليين منتشرين في جغرافيا معقدة تمتد من العراق إلى اليمن ولبنان.
تعتمد الاستراتيجية الإيرانية على رفع كلفة الحرب اقتصادياً وسياسياً على واشنطن؛ فتهديد مضيق هرمز لعدة أيام كفيل بهز الأسواق المالية العالمية وضخ دماء القلق في شرايين الاقتصاد الغربي. كما أن الهجمات على القواعد الأمريكية في المنطقة تهدف إلى إرسال رسائل واضحة للدول المضيفة بأن احتضان القوات الأمريكية يحمل مخاطر أمنية جسيمة، مما قد يدفع تلك الحكومات للضغط على واشنطن لوقف التصعيد.
سيناريوهات المستقبل
يقف الشرق الأوسط اليوم أمام سيناريوهين لا ثالث لهما؛ الأول هو الانزلاق نحو الانفجار الشامل، حيث تؤدي الضربات المتبادلة والردود الانتقامية إلى انهيار مذكرة التفاهم السويسرية بالكامل، وتوسع العمليات العسكرية لتشمل تدمير المنشآت النفطية والنووية الحيوية، مما يعني حرباً إقليمية مفتوحة ستلقي بظلالها القاتمة على الأمن والسلم الدوليين وتتسبب في أزمات لجوء واقتصاد لا يمكن احتواؤها.
أما السيناريو الثاني، فهو العودة الاضطرارية إلى طاولة المفاوضات تحت رادع التدمير المتبادل الكارثي.
قد تجد إدارة ترامب، المثقلة بالأثمان الاقتصادية والسياسية داخلياً، والقيادة الإيرانية الجديدة، التي تواجه تحديات اقتصادية داخلية صعبة، أن الاستمرار في الحرب يهدد وجودهما واستقرارهما السيادي، مما قد يدفعهما في نهاية المطاف إلى تقديم تنازلات متبادلة ومؤلمة تضمن صياغة اتفاق جديد أكثر ديمومة وتفصيلاً، يتجاوز ثغرات الاتفاقات السابقة ويضع حداً لسباق التسلح والنفوذ في المنطقة. وبين هذا وذاك، تبقى شعوب المنطقة هي الضحية الأولى التي تدفع فاتورة هذه المواجهة الجيوسياسية الكبرى.