"المولد النبوي" في جغرافيا الحوثي.. من مناسبة دينية إلى غطاء للجباية القسرية والتجنيد الإجباري

تشهد المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي حالة استنفار خانقة، تكسوها مظاهر طلاء الشوارع والمباني بالألوان واللافتات الخضراء. 

غير أن هذا المشهد لا يعكس احتفاءً طوعياً، بل يختبئ خلفه واقع مرير من الإكراه والترهيب؛ إذ تحولت المناسبة إلى موسم لنهب القطاع الخاص، وجباية إتاوات مالية تتجاوز مئات الملايين من الريالات. والأخطر من ذلك هو استغلال المناسبة دلالياً وعقائدياً لتحشيد أبناء القبائل والأطفال، والدفع بهم إلى جبهات القتال الساخنة في ظل جولة التصعيد العسكري الأخيرة التي فجرتها المليشيا شرق وغرب البلاد.

نهب مالي بغطاء عقائدي

تؤكد التقارير الميدانية الواردة من صنعاء، وإب، والحديدة أن مليشيا الحوثي حولت ربيع الأول إلى شهر للتحصيل المالي الإجباري. ولا تقتصر الحملات على كبار التجار والشركات الاستثمارية، بل تمتد لتطول صغار الباعة، والمزارعين، بل وحتى طلاب المدارس.

القطاع التجاري تحت مقصلة "المجهود الحربي"

تُلزم المليشيا، عبر مشرفيها الميدانيين، ملاك المحال التجارية والمؤسسات بشراء أدوات الزينة والإنارة الخضراء على نفقتهم الخاصة، إلى جانب دفع "مساهمات مالية" قسرية. والتاجر الذي يبدي اعتراضاً أو عجزاً يواجه عقوبات فورية تشمل إغلاق محله، أو الاحتجاز بتهمة، النفاق أو العداء للرسالة الدينية. 

هذه الممارسات تؤدي بصورة تلقائية إلى ارتفاع جنوني في أسعار المواد الأساسية، حيث يضطر التجار لتعويض الجبايات برفع أسعار السلع، مما يثقل كاهل المواطن الذي يعيش بلا مرتبات منذ سنوات.

   

ابتزاز المدارس والأطفال

  

وفي سابقة تؤكد مدى تغلغل الجباية الحوثية، كشفت مصادر تربوية في محافظة إب عن تعاميم رسمية حوثية تُلزم إدارات المدارس الحكومية والأهلية بجمع مبالغ مالية محددة من الطلاب (لا تقل عن 500 ريال عن كل طالب) تحت مسمى المشاركة في فعاليات المولد. تسببت هذه الإجراءات بحالة من السخط والغضب بين أولياء الأمور الذين يعجز معظمهم عن توفير القوت الضروري لأبنائهم. ناهيك عن تبديد الموارد لصالح الامتيازات السلالية، في الوقت الذي يتضور فيه ملايين اليمنيين جوعاً، تتدفق أموال الجبايات إلى خزائن قيادات المليشيا.

وخلال شهر أغسطس الجاري، أثارت وثائق مسربة موجة غضب عارمة بعد توجيه رئيس ما يسمى بالمجلس السياسي الأعلى، مهدي المشاط، بصرف مبالغ طائلة بلغت 150 مليون ريال يمني من إيرادات المولد النبوي لصالح شخصيات مقربة وسلالية (من بينها سوسن محمد علي الحوثي)، مما يفضح زيف الشعارات الدينية ويؤكد الطبيعة النفعية لهذه الاحتفالات.

التصعيد العسكري الأخير... سياق البحث عن وقود بشري

يتزامن موسم الجبايات الحالي مع تصعيد عسكري واسع النطاق تشنه المليشيا على عدة جبهات يمنية. 

وشهدت الأسابيع الأخيرة هجمات حوثية مكثفة بالصواريخ والمسيرات طالت ميناء المخا بالساحل الغربي، وأطراف مديرية بيحان في شبوة، بالإضافة إلى جبهات مأرب وحضرموت والضالع، مما دفع القوات الحكومية والقبائل إلى إعلان الاستنفار وتنفيذ عمليات عسكرية مضادة لكسر الهجمات.

هذا التصعيد غير المحسوب كبّد المليشيا خسائر بشرية هائلة في صفوف مقاتليها نتيجة الضربات الاستباقية ومواجهات خطوط التماس. وأمام هذا النزيف البشري، وجدت المليشيا في التجمعات والأنشطة المكثفة المصاحبة للمولد النبوي فرصة ذهبية لتعويض النقص العددي عبر خطابات التعبئة، والضغط على مشايخ القبائل، وتفعيل ذراع التجنيد القسري.

اختطاف وتجنيد إجباري

لم تعد المليشيا تكتفي بالتحشيد الطوعي عبر الترغيب؛ بل انتقلت في ظل الضغط الميداني الحالي إلى أسلوب التجنيد الإجباري المباشر، مستهدفة بشكل أساسي أبناء القبائل، في المحافظات ذات الكثافة السكانية مثل الحديدة، وحجة، وعمران، وصنعاء.

حملات المداهمة في تهامة

سجلت المراكز الحقوقية قيام المليشيا الحوثية بتنفيذ حملات مداهمة واختطافات واسعة طالت عشرات الشباب في مديرية الزهرة بمحافظة الحديدة. 

وقامت الأطقم الحوثية بنصب نقاط تفتيش واقتحام المنازل في أكثر من 19 قرية وعزلة (من بينها سوق المعترض، ومركوضة، ودير قعموص) لاقتياد الشبان بالقوة نحو معسكرات التدريب السريعة، ومن ثم الزج بهم مباشرة في جبهات القتال الجنوبية للمحافظة لتعويض قتلاها.

بالإضافة الضغط على الوجهاء وعقال الحارات حيث، تستخدم المليشيا نظام المشرفين للضغط على عقال الحارات ومشايخ القبائل، وإلزام كل شيخ أو عاقل برفع كشوف بأسماء الشباب والرجال القادرين على حمل السلاح من أبناء منطقته. ويتم تهديد المشايخ غير المتعاونين بعزلهم من مناصبهم، أو مصادرة ممتلكاتهم، أو سجنهم بتهم الخيانة والتواطؤ.

عسكرة الطفولة

الضحية الأكبر لهذه المنظومة التعبوية هم الأطفال وصغار السن. فوفقاً لتقارير وتوثيقات المنظمات الدولية (من بينها هيومن رايتس ووتش)، تواصل المليشيا استغلال المناسبات الدينية والمدارس كمنصات مفتوحة لغسل أدمغة القاصرين وعسكرتهم. حيث تبيّن التقارير الأممية والحقوقية أن الحوثيين هم الطرف المسؤول عن أكثر من 77% من عمليات تجنيد الأطفال في اليمن. 

ورغم فترات التهدئة النسبية، رصدت تقارير الخبراء تجنيد الآلاف من القاصرين لا تتجاوز أعمار بعضهم 13 عاماً. حيث يتم استغلال فعاليات المولد النبوي لإقامة محاضرات مكثفة تعقب، صلوات المغرب والعشاء في المساجد والمدارس، يُبث فيها خطاب كراهية طائفي يمجّد الموت ويحث الفتيان على الالتحاق بالجبهات دون موافقة أولياء أمورهم، مستغلين حالة الفقر المدقع التي تعصف بالأسر.

الرفض المجتمعي والتحولات القبلية

على الرغم من قبضة الحوثيين الحديدية، إلا أن سياسة المليشيا القائمة على استنزاف دماء وأموال اليمنيين بدأت تواجه موجة رفض شعبي وقبلي متصاعدة. وتجلت هذه التحولات مؤخراً في إعلان حشود قبلية واسعة في جبهات مريس والجوف وشبوة والضالع النفير العام وتوحيد صفوفها لمواجهة التمدد الحوثي، مؤكدة أن المليشيا الحوثية باتت تشكل خطراً وجودياً على النسيج الاجتماعي القبلي عبر تحويل أبنائهم إلى وقود لمعارك بالوكالة.

إن استمرار المليشيا في تفريغ المناسبات الدينية من محتواها الأخلاقي والروحي، وتحويلها إلى أدوات قمع مالي وعسكري، يبرهن على أن هذه المليشيا لا ترى في المواطن اليمني سوى وعاء ضريبي وجندي مجبر على القتال في محارقها المستمرة لضمان بقاء سلطتها وسلالتها الطائفية.