24 أغسطس من الحزب إلى الدولة... المرجعيةُ التي لا تموت تحت رماد الفوضى الحوثية

في أروقة التاريخ اليمني المعاصر، ليس 24 أغسطس 1982 مجرد تاريخ عابر في مفكرة الأيام، بل كان لحظة التجلي الجمهوري الأبرز. في ذلك اليوم، قرر اليمنيون – بقيادة الرئيس الشهيد علي عبد الله صالح – الارتحال من زنازين الولاءات، الضيقة وصراعات الأيديولوجيات المتخلفة، إلى فضاء الدولة المَشاع التي تتسع للجميع. لم يكن تأسيس المؤتمر الشعبي العام ولادةً لحزب حاكم بالمعنى التقليدي، بل كان إطلاقاً لتيار وسطي جارف، وصياغة لعقد اجتماعي، صُهرت فيه الرؤى الوطنية، داخل بوتقة الميثاق الوطني. هناك، تعلم اليمني لأول مرة كيف يختلف تحت سقف الجمهورية دون أن يهدم جدرانها.

إلا أن المشهد اليوم، ونحن نرقب تفاصيل الخارطة من تحت ركام العاصمة المحتلة صنعاء، والمحافظات المختطفة يبدو مثقلاً بالأسئلة الموجعة.... ماذا بقي من ذلك الحلم الوطني العظيم؟

 وكيف تحولت ذروة المنجز المؤسسي إلى ضحية لطعنات الغدر وشهوات الفوضى.

 

 عبقرية البناء.... عندما غدت الدولة مؤسسة لا فكرة

لطالما عانى اليمن من معضلة، الدولة الهشة التي تترنح مع كل تبدل في أمزجة الحكام، لكن عهد الزعيم، صالح اجترح معادلة مغايرة؛ نقل الدولة من كونها فكرة في رؤوس النخب، إلى مؤسسة تسري في حياة البسطاء.

 لم يكن الإنجاز مجرد أرقام تُحصى في كشوفات التنمية، بل كان إرساءً لثقافة النظام والقانون التي جعلت من الدستور مرجعية، ومن قاعات البرلمان ساحة للمبارزة بالكلمة لا بالبندقية.

كانت العبقرية تكمن في صياغة، الهوية الوطنية الجامعة، حيث تحول رجل القبيلة إلى مواطن في دولة، والعسكري إلى حارس للدستور، والمثقف إلى شريك في القرار عبر تداول سلمي وتعددية سياسية لم تكن مألوفة في جغرافيا المنطقة. 

كان القانون هو السقف، والنظام هو الحبل السري الذي يربط أطراف اليمن بقلبه النابض في صنعاء، في مناخ غدى فيه الاستقرار حقيقة يومية وليس تمنيات مؤجلة.

 

 فوضي 2011 وطعنة الخاصرة... هندسة الانهيار الكبير

لكن هذا البنيان المرصوص تعرض لـزلزال مُصنّع في عام 2011، حين فُتحت أبواب الجحيم تحت لافتات التغيير، لتتسلل عبرها أحقاد الأيديولوجيات العابرة للحدود وضغائن الطامحين لإرث الدولة دون امتلاك روحها. 

صُنّاع الفوضى، في غمرة اندفاعهم لهدم النظام، لم يدركوا أنهم يقتلعون الأعمدة التي تسند سقف الوطن فوق رؤوس الجميع.

ما تلا ذلك من دسائس ومؤامرات لم يكن استهدافاً لشخص صالح أو لحزبه، بل كان تصفية حسابات حاقدة مع الفكرة الجمهورية ذاتها.

 تفتتت المؤسسة العسكرية، وتآكلت هيبة القانون، وصار الوطن نهباً للمحاصصة والارتهان للخارج، حتى بلغت المؤامرة ذروتها الفاجعة في 21 سبتمبر 2014؛ يوم أن سقطت العاصمة صنعاء في قبضة المليشيا الحوثية السلالية.

 كانت تلك اللحظة هي الطعنة الجبانة في خاصرة سبتمبر وأكتوبر، حيث استُبدل القانون بالملزمة، والمؤسسة بالمشرف، وصوت المواطن بأنين السجون.

 

 ما بقي في الرماد.. جمر الوصية والوعي العنيد

أمام هذا المشهد القاتم، يتساءل الكثيرون... هل انهار حلم اليمن الجمهوري تماماً؟

الجواب يكمن في تفاصيل الرفض الصامت والعلني الذي يغلي به الشارع اليمني اليوم. 

إن حلم ومرجعية،  24 أغسطس لم يزل حاضراً وأثمن ما فيه... هو الوعي الجمعي المتجذر.

لم يستطع السواد القادم من كهوف التاريخ أن يمحو من ذاكرة اليمنيين ملامح، الدولة التي عاشوها؛ دولة الأمان، والقضاء، والمواطنة. 

هذا الحنين الجارف لعهد الزعيم صالح ليس مجرد بكاء على أطلال الماضي، بل هو وقود سياسي ورفض قاطع لنهج الطائفية السلالية.

إن حلم اليمن الجمهوري لا يزال حياً في رصاص كل جندي ومقاوم يمني حر وشجاع من يخوضون معارك الكرامة في مختلف الجبهات، ولا يزال نابضاً في وصية ديسمبر 2017 التي خطّها الرئيس الشهيد بدمه الزكي، حين أطلق دعوته الجمهورية، الأخيرة داعياً لانتفاضة شعبية عارمة تحمي النظام الجمهوري وتستعيد الدولة المختطفة.

لم يمت الحلم؛ فالشعوب التي تذوقت طعم الحرية والنظام والقانون لثلاثة عقود، قد تنحني أمام عواصف المؤامرات مؤقتاً، لكنها لا تموت. 

ويبقى ميثاق 24 أغسطس خارطة طريق لا غنى عنها، تذكر الأحرار دوماً بأن الطريق إلى صنعاء يبدأ من التلاحم الجمهوري، والترفع عن الصغائر، واستلهام روح الدولة لكسر دياجير الظلام الحوثي.