مذبحة الأرشيف.. الحوثي يغتال "26 سبتمبر" من السجلات الوطنية

شهدت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي الانقلابية، تحولات متسارعة لم تعد تقتصر على القمع العسكري أو الجبايات المالية، بل امتدت لتشمل "حرباً ديمغرافية وثقافية صامتة". وتشن المليشيا الحوثية عملية ممنهجة لتدمير وإعادة صياغة الأرشيف الوطني اليمني، وتغيير أسماء المعالم والشوارع والمدارس، لطمس معالم ثورة 26 سبتمبر الجمهورية واستبدالها بهوية بصرية مستوردة ذات بعد طائفي وسلالي مبرمج ومدروس بعناية، لتقديم مشروعها القائم على إحداث، موت سريري للذاكرة الوطنية وتجريف الهوية الوطنية الحاضنة للنظام الجمهورية.

تغيير الأسماء وإحلال الرمزية السلالية

تجاوزت المليشيا الحوثية مرحلة إظهار الشعارات المؤقتة إلى مرحلة التأميم البصري الدائم، لمدينة صنعاء وريفها. فقد وثقت تقارير حقوقية وميدانية قيام وزارة الإدارة المحلية الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي بإصدار تعميمات ملزمة لتغيير أسماء مئات المدارس والمستشفيات والشوارع الرئيسية التي تحمل أسماء رموز ثورة 26 سبتمبر والجمهورية (مثل علي عبد المغني، والسلال، ومحمد محمود الزبيري)، وإحلال أسماء قتلى المليشيا ورموزها العقائدية بدلاً منها.

وتشير البيانات الراصدة لهذا التجريف إلى أن المليشيا قامت بتغيير أسماء أكثر من 850 مدرسة حكومية في المحافظات الخاضعة لسيطرتها، وتحويلها إلى مراكز للتعبئة العقائدية الطائفية، فضلاً عن إزالة النصب التذكارية للثورة اليمنية واستبدالها بشعارات "الصرخة، الإيرانية والمجسمات ذات الصبغة العقائدية، مما يمثل إستراتيجية متعمدة لتفريغ العاصمة من رمزيتها التاريخية بوصفها مهد الجمهورية.

محرقة الوثائق.. العبث بالأرشيف الوطني وإتلاف السجلات

خلف الأبواب المغلقة للمؤسسات السياسية والسيادية في صنعاء، تدير المليشيا عملية وصفتها منظمات حقوقية ووثائقية بأنها المذبحة الكبرى للوثائق اليمنية. حيث كشفت مصادر من داخل دار المخطوطات، المركز الوطني للوثائق عن قيام لجان حوثية متخصصة -تتلقى توجيهات مباشرة من قيادات الصف الأول- بفرز السجلات التاريخية للبلاد، وإتلاف وإخفاء آلاف الوثائق التي تؤرخ للعهد الجمهوري ولجرائم الحكم الإمامي الكهنوتي البائد قبل عام 1962.

لم يقتصر الأمر على الوثائق السياسية؛ بل طال العبث السجلات العقارية وسجلات مصلحة الأحوال المدنية والسجل المدني العام، حيث جرى إدخال تعديلات ديمغرافية وأنساب وهمية لتثبيت مزاعم "الحق الإلهي" والتميز السلالي، مما يتيح للمليشيا إعادة هندسة الملكيات العقارية ومصادرة أراضي المواطنين والمعارضين تحت غطاء تعديل السجلات التاريخية والمخططات الحضرية للمدن.

تفخيخ المناهج وتأميم عقول الأطفال

يأتي قطاع التعليم كأخطر جبهات هذه الحرب الثقافية، حيث أكدت تقارير متطابقة لمنظمة سام للحقوق والحريات والمنظمات الأممية الشريكة، أن المليشيا أدخلت خلال الأعوام الأخيرة تعديلات جذرية وشاملة على المناهج الدراسية للمراحل الأساسية والثانوية. 

هذه التعديلات تهدف صراحة إلى شيطنة النظام الجمهوري وثورة سبتمبر، وتصوير الفترات الجمهورية كحقب عمالة وضياع، بينما تُقدّم المليشيا وفترة الحكم الإمامي البائد كحركة إنقاذ وتحرر.

وتُشير الإحصائيات الفيدرالية والحقوقية إلى استغلال المليشيا للمراكز الصيفية التي ضمت مئات الآلاف من الأطفال كغطاء للاستقطاب الفكري وحشو الأدمغة بالأفكار الحربية، وتحويل غرف المدارس من مؤسسات لإنتاج الوعي والعلم إلى "مصانع أدلجة وتجنيد حربية" لإنتاج مقاتلين عقائديين لا يربطهم بالدولة اليمنية المعاصرة أي رابط، وإنما يدينون بالولاء المطلق والتبعية العمياء لسلطة الفرد وسلالته.

 التمكين العقاري والمصادرة باسم الهوية الجديدة

تحت يافطة تحسين المظهر الحضري، وتثبيت الهوية الإيمانية (بالمفهوم الحوثي)، نفذت المليشيا عبر ما يسمى "الحارس القضائي" وأجهزتها البلدية أوسع عملية مصادرة للعقارات التاريخية والمباني الأثرية في صنعاء القديمة المدرجة على قائمة التراث العالمي؛ حيث تم إجبار ملاك العقارات في محيط الجامع الكبير وأحياء تاريخية أخرى على بيع منازلهم لقيادات نافذة في المليشيا بأسعار بخسة، أو مصادرتها بحجة عدم امتلاك وثائق تتوافق مع "السجلات الوطنية الجديدة" التي جرى التلاعب بها، مما يُعد عملية سطو منظم تهدف إلى إفراغ قلب العاصمة التاريخي من سكانه الأصليين لصالح طبقة طفيلية سلالية جديدة.

 الموت السريري للجمهورية.. المخطط النهائي للمشروع الانقلابي

إن كل هذه الخطوات المترابطة تكشف بوضوح أن المليشيا الحوثية  تقود مشروعاً شمولياً يستهدف إنهاء الكيان القانوني والتاريخي لجمهورية اليمن. إن طمس الهوية البصرية وإعادة كتابة التاريخ وسرقة الأرشيف الوطني ليست مجرد إجراءات جانبية، بل هي خط دفاع أساسي للمليشيا لتأمين بقائها؛ فمن خلال محو وعي الأجيال بالحرية والعدالة والمواطنة المتساوية التي أسست لها الجمهورية، تسعى المليشيا لفرض واقع استعبادي دائم ومقونن يصبح فيه الشعب مجرد وقود لحروبها ومشاريعها الإقليمية الموجهة من الخارج.