هدنة الأسبوعين.. استراحة محارب أم "جز عشب" يمهد لجولة قتال أشرس؟

أكد تقرير نشره منتدى الشرق الأوسط، أن الإعلان المفاجئ عن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين في الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران لم يُسهم في حل أي من القضايا التي أدت إلى النزاع، إذ لا تزال الترتيبات المرافقة للهدنة غير واضحة.

ورغم الاتفاق على وقف الهجمات، بدا أن كل طرف التزم بصيغ مختلفة لتطبيقه في مناطق رئيسية خلال الساعات الأخيرة.

وفي تقرير تحليلي أعده الصحفي جوناثان سباير، المشرف على محتوى المنتدى، أشار إلى أن النتيجة من وجهة النظر الإسرائيلية تبدو واضحة، حيث تعرض النظام الإيراني لضعف كبير في عدد من المجالات الرئيسية، دون أن يصل ذلك إلى حد القضاء عليه أو إضعاف قدرته على الاستمرار في الحكم.

وأضاف أن نوايا طهران لم تتغير، رغم التغييرات التي طالت قمة القيادة عقب إقالة عدد من المسؤولين، ما يعني أن الحرب مرشحة للاستمرار سواء استؤنف القتال بعد الهدنة الحالية أم لا، في ظل إضعاف الخصم دون إنهائه.

هدنة هشّة.. ومنطقة عازلة

وفي ما يتعلق بتفاصيل وقف إطلاق النار، أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن الاتفاق الذي توسطت فيه إسلام آباد يسري "في كل مكان، بما في ذلك لبنان"، وهو تفسير لا يحظى بقبول إسرائيل التي سعت منذ البداية إلى فصل الجبهة اللبنانية عن أي اتفاق أوسع مع إيران تقوده الولايات المتحدة.

وبحسب التقرير، ترى إسرائيل أن حزب الله اللبناني ارتكب خطأً استراتيجياً بدخوله الحرب في 4 مارس/آذار عقب اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وتسعى لاستثمار ذلك عبر إنشاء منطقة عازلة شمال الحدود لحماية المستوطنات من الهجمات، خصوصاً الصواريخ المضادة للدبابات وخطر التوغل البري. 

وأوضح أن هذه العملية لم تُستكمل بعد، في وقت تنتشر فيه خمس فرق من الجيش الإسرائيلي جنوب نهر الليطاني وتخوض مواجهات مع حزب الله.

وأشار التقرير إلى أن إسرائيل تعتبر أن تهدئة الجبهة مع إيران مع إبقاء لبنان ساحة قتال نشطة يمنحها قدرة أكبر على استخدام قوتها الجوية ضد حزب الله. 

وأكد بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أن وقف إطلاق النار لا يشمل لبنان، بل يقتصر على الضربات الجوية ضد إيران، وهو ما يتسق مع عدم ذكر الرئيس دونالد ترامب للبنان في إعلانه عن الهدنة لمدة 14 يوماً.

في المقابل، حذرت إيران من أن استمرار الضربات في لبنان سيؤدي إلى استئناف القتال على جميع الجبهات، وسط توقعات بأن تضغط واشنطن على إسرائيل لوقف تقدمها هناك.

وأضاف التقرير أن الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كان هذا الضغط سيتحقق، لكنه رجّح بقاء منطقة عازلة إسرائيلية بحكم الأمر الواقع داخل الأراضي اللبنانية حتى في حال ممارسة ضغوط أمريكية.

تصريح أمريكي غامض

وفي سياق موازٍ، لفت التقرير إلى غموض مماثل بشأن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز خلال فترة وقف إطلاق النار، مشيراً إلى أن إيران قدمت تنازلاً مهماً بقبولها هدنة مؤقتة، رغم رفضها السابق لذلك. غير أن طهران حققت في المقابل مكسباً بارزاً عبر فرض ما يشبه "نقطة تحصيل رسوم" على السفن العابرة للمضيق.

وأوضح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن عبور السفن سيظل مشروطاً بالحصول على إذن من القوات المسلحة الإيرانية، إضافة إلى دفع رسوم تحددها طهران، مشيراً إلى إعادة فتح المضيق بالتنسيق مع سلطنة عُمان وفرض رسوم عبور.

ووفق التقرير، فإن تثبيت هذا الترتيب سيجعل من الصعب على الإدارة الأمريكية تقديم وقف إطلاق النار كإنجاز واضح، إذ لم تكن إيران تمتلك قبل الحرب القدرة على فرض رسوم على الملاحة في هذا الممر الدولي. 

كما لم يظهر أي تعارض في موقف ترامب مع هذه التفاصيل، حيث اكتفى بالإشارة إلى "فتح كامل وفوري وآمن" للمضيق.

وأكد التقرير أن المكاسب الإيرانية المحتملة في مضيق هرمز تحمل أهمية استراتيجية، لما لها من تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي ورفع مستوى القلق من التوسع الإيراني، مع الإشارة إلى أن ذلك لا يمس المصالح الإسرائيلية بشكل مباشر، نظراً لعدم اعتمادها على هذا المسار في واردات النفط.

مصير مجهول لليورانيوم

وفي الملف النووي، أوضح التقرير أن الحرب لم تحقق تقدماً فعلياً، إذ لا تزال إيران تمتلك نحو 445 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهو ما يتيح لها، وفق معايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إمكانية إنتاج ما يصل إلى عشرة أجهزة نووية خلال أشهر.

ورجّح التقرير أن الادعاء بدفن كامل هذا المخزون تحت منشأة فوردو غير دقيق، مشيراً إلى احتمال وجود جزء منه في مواقع أخرى مثل أصفهان أو نطنز، معرباً عن أمله في أن تكون أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية على دراية بمواقعه، دون أن تسجل جولة القتال الأخيرة تغييراً يُذكر في هذا الملف.

وأشار إلى أن النظام الإيراني، الذي يقوده فعلياً الحرس الثوري بقيادة أحمد وحيدي، قد لا يتبنى موقفاً مختلفاً عن القيادة السابقة بقيادة علي خامنئي فيما يتعلق بالبرنامج النووي.

سياسة "جز العشب"

وعلى الصعيد العسكري، أكد التقرير أن القدرات الصاروخية الباليستية الإيرانية تعرضت لضربات قوية، إلا أن طهران واصلت إطلاق الصواريخ على أهداف في الخليج وإسرائيل، لافتاً إلى أن استمرار النظام يعني امتلاكه القدرة على إعادة بناء هذه الترسانة، وإن كان ذلك سيستغرق وقتاً، في إطار ما تصفه إسرائيل بسياسة "جز العشب".

جولة جديدة وصراع طويل

وفي ما يتعلق بوكلاء إيران في المنطقة، أوضح التقرير أن الحرب لم تلحق ضرراً حاسماً بهذه المنظومة، حيث بدأت حركة حماس بالتعافي رغم خسارتها أجزاء واسعة من قطاع غزة، بينما لعبت مليشيا الحوثي والمليشيا العراقية دوراً محدوداً دون تغيير في مواقعها. أما حزب الله، فرغم الخسائر المادية الكبيرة، لا يزال يحتفظ بموقعه كقوة مهيمنة في لبنان.

وخلص التقرير إلى أنه، رغم التصعيد والضجة التي رافقت الأسابيع الخمسة الماضية، لم يتحقق حسم فعلي للصراع، إذ تظل التغييرات في جنوب لبنان ومضيق هرمز ذات طابع تدريجي، وقد تتحول إلى مكاسب مهمة إذا ما تم تثبيتها، لكنها لا ترقى إلى تغيير جذري.

وأكد أن ملامح المشهد الاستراتيجي الإقليمي لم تتبدل، حيث تواصل إيران سعيها لتعزيز نفوذها الإقليمي ومواجهة الوجود الأمريكي، فيما تتمسك الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج بمواجهة هذا التمدد.

واعتبر أن ما جرى يمثل جولة جديدة في صراع طويل، أظهرت فيه واشنطن وتل أبيب تفوقاً عسكرياً تقليدياً واضحاً، دون أن تتمكنا حتى الآن من تحويله إلى استراتيجية حاسمة تنهي الصراع عبر إسقاط النظام في طهران.